الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٥٥ - سر الدعابة صلابة
المخلوق فارتفعت عنه الحقوق له الحق لا عليه فلا يلتفت إليه الالتفات إلى من بيده أزمة الأمور و يعلم ما في الصدور و بيده مَقٰالِيدُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ و ميزان الرفع و الخفض فيؤتى الملك من يشاء و ينزع الملك ممن يشاء فيعز من يشاء و يذل من يشاء بيده الخير وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ و لم يضف الشر إليه وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لا يبدل القول لديه فحكم به عليه فلا يعرف المضطر إلا من أطعم القانع و المعتر اضطرار لا إجبار و المخلوق جبر في اختبار المخلوق مجبور في اختياره مختار في حال اضطراره لو لا التردد ما ظهر الاضطرار و إن لم يحكم على صاحبه افتقار ما كل اضطرار يكون معه الافتقار الافتقار يطلب المستند و ما قال بخلاف ذلك أحد و المضطر في حكمه مع ما سبق في علمه فلا يحكم حكم إذا عدل و ما ظلم إلا بما علم و لا سيما مع ارتفاع التهم من العلم صفته فالعدل شيمته فحكمه بالعلم حكم المضطر في الحكم ما في الكون إلا العلم لكن بقي الفهم إذا علم الجائر أنه جائر فليس بجاهل و لا غافل ما حكم إلا بما وجد و لا أمضى إلا ما شهد و ما بقي إلا أن يعتقد أنه الحكم الإلهي أو لا يعتقد بهذا تميزت النحل و افترقت الملل فمن ناظر إلى الحكم الإلهي في الأصول و من ناظر إلى الحكم الإلهي في الشرع المنقول و كل واحد وقف مع دليله على سواء سبيله و فرق بين عقده و قيله فمن قائل بمقيله و من قائل برحيله فالناس بين حال و مرتحل و منفصل و آخر في انفصاله متصل
[السيادة عبادة]
و من ذلك السيادة عبادة من الباب ١٣٢ السيد خادم فهو في العبادة قائم ففرق بين السادات و العبيد من يقول بالمراد و المريد السيد أحق باسم العبودة من الغير لأن بيده جميع الخير له النفوذ و القصد و الأمر من قبل و من بعد يحكم في عبده لعبده فهو بحكم عبده لو حكم لنفسه لبقي في قدسه و أين لسيادة مع العبادة
كلما قلت سيدي قال لي أنت مالكي
سد و اللّٰه كون عبدي على مسالكي
ما لنا عنه صارف في جميع المدارك
لست في عينه و لا على مسالكي
ما لنا عنه صارف في جميع المدارك
لست في عينه و لا فعله بالمشارك
فهو المالك الذي ليس يدعى بالمالكي
و أنا الخادم الذي يعتني بالممالك
قلت يا رب عصمة من سبيل المهالك
قال سمعا فأنت عندي من أهل الأرائك
في سرور و غبطة لا من أهل الدرائك
لا تكن من الملوك فإن الملك مملوك و حصلت شمسه في الدلوك و اغتر السالك بالسلوك لانتظامه في أهل الأقراط و السلوك من ملكت يمينه فقد عرق جبينه من صحت سيادته صح تعبه و كثر و اللّٰه نصبه هم لازم و غم دائم لأنه حاكم لا يحكم في عبده إلا بحاله فهو الضعيف في شدة محاله لين في عنف و قوة في ضعف و لو ترك خدمة عبده انعزل و كان ممن عصى المرتبة فزل فما خدم سيد سوى نفسه لو خدم أبناء جنسه
[سر الدعابة صلابة]
و من ذلك سر الدعابة صلابة من الباب ١٣٣ إذا مزحت فقلل و لا تعلل من التزم الحق في مزحه سعى في فلاحه ما أصاب عليا رضي اللّٰه عنه ما أصابه إلا من الدعابة لذا قال له أبو هريرة و قد رجم على كعبه بالحصباء و ما تأبى لذا أخروك و ما أمروك فإن صحت الرواية ففي هذا كفاية مازح العجوز و ذا التغير و لا نقل إلا الخير
ما فعل بعيرك الشارد من أحسن مزاج العوائد فأجابه ذلك الإنسان فقال قيده يا رسول اللّٰه الايمان و
قال يا أبا عمير ما فعل النغير بعطف و تبسم و ما حجبه المنصب عن التلطف بالصغير و التهمم و
قال إن العجز لا يدخلن الجنة يعرفها بما لله عليها من المنة لرده عليها شبابها و خلعه سبحانه عليها جلبابها فإن لم يكن المزاح هكذا و إلا فهو أذى و الأذى من الكريم محال و لا سبيل إلى هذا القول بحال لو لا صلابة الدين ما كان من المازحين لأنه يذهب بالهيبة و الوقار عند المطموسين الأبصار ألا ننظر إلى رب العباد في قصة هناد حين أخرجه و استدرجه إلى أن قال له أ تهزأ بي و أنت رب العالمين فأضحكه و هذا القول كان المقصود من اللّٰه به و لهذا ما أهلكه بل أعطاه و خوله و ملكه فسرت هذه الحقيقة في كل طريقه و ظهرت في كل شيمة و خليقة فعمت الوجود و حكمت على الشاهد و المشهود فلو لم تكن من جملة النعم ما صح بها النعيم و لا تصف بها النبي الكريم و لا ظهر حكمها في المحدث و لقديم و لكن يا أيها الإنسان لا تقل بالتطفيف في الميزان