الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣ - أن سبب المنازعة و المغالبة أمران الاستخلاف و الخلق على الصورة
فاحذر فديتك أفلاكا تدور بما
لا ترتضيه و خف مصارع النوب
لو جاءك الملأ العلوي مبتليا
بالحرب سلم له وجد في الهرب
و انزع إليه و قل يا منتهى أملي
أ لست تعلم أن العز في الحجب
قال اللّٰه عز و جل وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهٰا وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ
[إن للعبد التخلق بأوصاف اللّٰه]
اعلم أنه قد تقرر عند أصحاب الأفكار أن لله صفات و أسماء لها مراتب و للعبد التخلق و التحلي بها على حد مخصوص و نعت منصوص عليه و حال معين إذا تعدى ذلك العبد كان للحق منازعا و استحق الإقصاء و الطرد عن القرب السعادي كما ورد في
قوله تعالى الكبرياء ردائي و العظمة إزاري من نازعني واحدا منهما قصمته و للعبد صفات و أسماء تليق به و قد داخله الحق في الاتصاف بها مما تحيله العقول و لكن وردت به الشرائع و وجب الايمان بها فلا يقال كيف مع إطلاقها عليه قربة و إيمانا من لم يقل بها و أنكرها فقد كفر و مرق من الإسلام و من تأولها كان على قدم الغرور فلا نعلم نسبتها إلى اللّٰه إلا بإعلام اللّٰه و كذلك كل اسم تحلينا به من أسمائه أيضا مجهول النسبة إليه عندنا إلا أن بعلمنا اللّٰه فنعلم ذلك بإعلامه فالكل على السواء ما لنا و ما له فلما عين ما عين له و تحلينا به سمي ذلك مغالبة منا للحق و لما عين ما عين لنا و اتصف به سمي ذلك بغالبة من الحق و موضع الجنوح إلى السلم من هذا الأمر هو أن ترد الكل إليه فما أعطانا من ذلك و لو أعطانا الكل قبلناه على جهة الإنعام
[أن سبب المنازعة و المغالبة أمران الاستخلاف و الخلق على الصورة]
و اعلم أن سبب المنازعة و المغالبة أمران الاستخلاف الذي هو الإمامة و الخلق على الصورة فلا بد للخليفة أن يظهر بكل صورة يظهر بها من استخلفه فلا بد من إحاطة الخليفة بجميع الأسماء و الصفات الإلهية التي يطلبها العالم الذي ولاة عليه الحق سبحانه و لما اقتضى الأمر ذلك أنزل أمرا منه إليه سماه شرعا بين فيه مصارف هذه الأسماء و الصفات الإلهية التي لا بد للخليفة من الظهور بها و عهد إليه بها فكل نائب في العالم فله الظهور بجميع الأسماء و من النواب من أخذ المرتبة بنفسه من غير عهد إلهي إليه بها و قام بالعدل في الرعايا و استند إلى الحق في ذلك كملوك زماننا اليوم مع الخليفة فمنهم السمع و الطاعة فيما يوافق أغراضهم و ما لا يوافق فهم فيه كما هم في أصل توليتهم ابتداء و منهم من لا يعمل بمكارم الأخلاق و لا يمشي بالعدل في رعيته فذلك هو المنازع لحدود مكارم الأخلاق و المغالب لجناب الحق في مغالبته رسل اللّٰه كفرعون صاحب موسى ع و أمثاله و الحق له الاقتدار التام لكن من نعوته الإمهال و الحلم و التراخي بالمؤاخذة لا الإهمال فإذا أخذ لم يفلت و زمان عمر الحياة الدنيا زمان الصلح و استدراك الفائت و الجبر بمن قام بمصالح الأمور المرضية عند اللّٰه تعالى المسماة خيرا الموافقة لما نزلت بها الشرائع غير أن هذا الإمام لم يتصف بها من حيث ما شرعت و لا من حيث ما أوصى الحق بها و لكن اتصف بها لكونها مكارم أخلاق عرفية عرف الحق قدرها و أثنى على من اتصف بها كما قال ص في تاريخ ميلاده عن كسرى و هو من جملة النواب الملوك
قال ولدت في زمان الملك العادل فسماه ملكا و وصفه بالعدل و إن كان فيه على غير شرع منزل فهو صفة مرعية عند اللّٰه و سماهم ملوكا و إن كان الحق ما استخلفهم بالخطاب الإلهي على الكشف لكنهم نوابه من وراء الحجاب فإذا ظهروا بصفات ما ينبغي للملك أن يظهر بها و لم يوافق بها المصارف الإلهية التي شرعها الحق بالسنة الرسل نعت ذلك بالمنازع و المغالب فهما ظهر كانت الغلبة له و مهما ظهر عليه كانت الغلبة للحق فكان الحرب سجالا له و عليه و صورة السلم موافقة الحق في المصارف من غير اتباع و هذا كله فيمن قام في الملك بنفسه و أما ولاة الحق من الرسل فليس إلا العدل المحض و لا نتصور منازعة من أولئك صلوات اللّٰه عليهم و أما الأئمة الذين استنابهم اللّٰه و استخلفهم بتقديم الرسل إياهم على القيام بما شرع في عباده من الأحكام فهم على قسمين قسم يعدلون بصورة حق و لا يتعدون ما شرع لهم و القسم الآخر قائلون بما شرع لهم غير أنهم لم يرجعوا ما دعوا إليه في المصارف التي دعاهم الحق إليها و جاروا عن الحق في ذلك و علموا أنهم جائرون قاسطون فهم من حيث الصورة الظاهرة مغالبون و منازعون فيمهلهم اللّٰه لعلهم يرجعون ففي زمان ذلك الإمهال تظهر الغلبة لهم على الحق المشروع الذي يرضى من استخلفهم و في وقت تكون الغلبة للحق عليهم بإقامة منازع في مقابلته يدعو إِلَى الْحَقِّ وَ إِلىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ و إذا