الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٥٥ - «الباب الثالث و الأربعون و أربعمائة في معرفة منازلة واجب الكشوف العرفاني»
صاحب علم فإن الرحمة تتقدم بين يدي العلم تطلب العبد ثم يتبعها العلم هذا هو علم الطريق الذي درج عليه أهل اللّٰه و خاصته و هو قوله آتَيْنٰاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنٰا وَ عَلَّمْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا عِلْماً و هذا هو علم الذوق لا علم النظر
[العلم و المعرفة]
و اعلم أن العارفين هم الموحدون و العلماء و إن كانوا موحدين فمن حيث هم عارفون إلا أن لهم علم النسب فهم يعلمون علم أحدية الكثرة و أحدية التمييز و ليس هذا لغيرهم و بتوحيد العلماء وحد اللّٰه نفسه إذ عرف خلقه بذلك و لما أراد اللّٰه سبحانه أن يصف نفسه لنا بما وصف به العارفين من حيث هم عارفون جاء بالعلم و المراد به المعرفة حتى لا يكون لا طلاق المعرفة عليه تعالى حكم في الظاهر فقال لاٰ تَعْلَمُونَهُمُ اللّٰهُ يَعْلَمُهُمْ فالعلم هنا بمعنى المعرفة لا غير فالعارف لا يرى إلا حقا و خلقا و العالم يرى حقا و خلقا في خلق فيرى ثلاثة لأن اللّٰه وتر يحب الوتر فهو مع اللّٰه على ما يحبه اللّٰه مع الكثرة كما
ورد أن لله تسعة و تسعين اسما مائة إلا واحد فإن اللّٰه وتر يحب الوتر فما تسمى إلا بالواحد الكثير لا بالواحد الأحد و إنما قلنا في العارف إنه رباني فإن اللّٰه لما ذكر من وصفه بأنه عرف قال عنه إنه يقول في دعائه ربنا لم يقل غير ذلك من الأسماء و
قال رسول اللّٰه ص فيه مثل ذلك من عرف نفسه عرف ربه و ما قال علم و لا قال إلهه فلزمنا الأدب مع اللّٰه تعالى و مع رسوله ص فأنزلنا كل أحد منزلته من الأسماء و الصفات و من أراد تحقيق الفرق بين المعرفة و العلم فعليه بمطالعة ما ذكرناه في مواقع النجوم لنا فإني شفيت في ذلك الغليل وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الثاني و الأربعون و أربعمائة في معرفة منازلة
من رآني و عرف أنه رآني فما رآني »
من رآني و قال يوما رآني
ما يراني غير الذي ما يراني
إن لله نظرة في وجودي
و بها ربنا العلي هداني
يذهب العلم إن نظرت إليه
بجنان بفكره أو عيان
فدليلي ينفي الثبوت و يمضي
في سلوب يعطيكها في بيان
و عيون تعلقت بمثال
في كشوف يكون أو في جنان
هو لا مدرك بعين و عقل
و الذي تدرك الجفون كياني
[إن رؤية المرئي تعطى العلم به]
قال اللّٰه تعالى إن موسى قال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قٰالَ له ربه لَنْ تَرٰانِي لأنه قال انظر بالهمزة فلو قال بالنون أو بالياء و التاء ربما لم يكن الجواب لَنْ تَرٰانِي و اللّٰه أعلم و السؤال مجمل في قوله أَنْظُرْ و الجواب مجمل في قوله لَنْ تَرٰانِي اعلم أن رؤية المرئي تعطي العلم به و يعلم الرائي أنه رأى أمرا ما و قد أحاط علما بما رآه و رأينا الذي يرى الحق لا تنضبط له رؤيته إياه و ما لا ينضبط لا يقال فيه إن الذي رآه عرف أنه رآه إذ لو رآه لعلمه و قد علم بتنوع الصور عليه في ترداد رؤيته مع أحدية العين في نفس الأمر فما رآه حقيقة فلا يعلم الحق إلا من يعلم أنه ما رآه قٰالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ بعيني فإن الرؤية بأداة إلى رؤية العين قٰالَ له لَنْ تَرٰانِي بعينك لأن المقصود من الرؤية حصول العلم بالمرئي و لا تزال ترى في كل رؤية خلاف ما تراه في الرؤية التي تقدمت فلا يحصل لك علم برؤية أصلا في المرئي فقال له لَنْ تَرٰانِي فإني لا أقبل من حيث أنا التنوع و أنت ما ترى إلا متنوعا و أنت ما تنوعت فما رأيتني و لا رأيت نفسك و قد رأيت فلا بد أن تقول رأيت الحق و أنت ما رأيتني فلم تصدق أو تقول رأيت نفسي و ما رأيت نفسك فلم تصدق و ما ثم إلا أنت و الحق و لا واحد من هذين رأيت و أنت تعلم أنك رأيت فما هذا الذي رأيت فلن تراني بعينك فهل إذا كان الحق بصرك هل يمكن أن تصدق في أنك رأيته إذا رأيت أو الحال واحدة في بصره إذا كان في مادة عينك أو بصرك و هذا مشهد من مشاهد الحيرة في اللّٰه تعالى و لا تتعجب من طلب موسى ع رؤية ربه فإنه ثم مقام يقتضي طلب الرؤية و الإنسان بحكم الوقت فإن الوقت حكمه مطلق حقا و خلقا و هذا القدر كاف في هذه المنازلة فإن مجالها لا يتسع لا كثر من هذه العبارة وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الثالث و الأربعون و أربعمائة في معرفة منازلة واجب الكشوف العرفاني»
إن المعارف تعطي واحدا أبدا
فواجب الكشف عرفان بآحاد