الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٨٥ - أن العماء حيرة و أعظمه الحيرة في العلم بالله
فإذا ما ظلم الغير له
حكم ما شاء بحكم فاصل
و حقوق اللّٰه أولى و كذا
حق نفسي بعدها للعاقل
ثم حق الغير في رتبته
آخرا عند العليم الفاضل
و عذاب الظلم ذوق فاحذروا
منه في العاجل أو في الآجل
و علوم الذوق ما يجهلها
من يرى أحكامها في العاجل
[إن من حقيقة الممكن العجز]
اعلم أيدنا اللّٰه و إياك بروح القدس أن الظلم هنا هو الظلم الذي جاء في قوله تعالى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ و ليس إلا الظلم الذي قال فيه لقمان لابنه لاٰ تُشْرِكْ بِاللّٰهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ كذا فسره رسول اللّٰه ص فمن التزم هذا الذكر بهذه الآية أقامه الحق مقامه في العالم و قلده أمر عباده و لو بلغ العبد ما عسى إن يبلغ لا يزال خلقا و من حقيقة الممكن العجز فلا بد من القصور في رتبة التصريف ذوقا فلا بد أن يحصل له من العذاب النفسي ذوق كبير لأنه ليس في قوته إن يرضي العالم فإن اللّٰه ما أرضاهم و لله الاتساع الذي لا يمكن أن يكون للعبد و لو اتسع الخليفة ما اتسع فإن ضيق الطبيعة لا بد أن يحكم عليه فيضيق عن السعة الإلهية فيتعذب بقدر ما ذاق العذاب الكبير هذا و هو وال من عند اللّٰه بأمر اللّٰه قال تعالى في حق الكامل وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمٰا يَقُولُونَ يعني في حق اللّٰه و تكذيبه فهذا هو العذاب الكبير الذي ذاقه و ظلمه المذكور في هذا الذكر إنما كان لكونه قبل الولاية عن العرض الإلهي فهو مع الأمر يضيق و لا يسمى ظالما و مع العرض يكون ظالما و يذوق العذاب الكبير إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبٰالِ و أي أمانة أعظم من النيابة عن الحق في عباده فلا يصرفهم إلا بالحق فلا بد من الحضور الدائم و من مراقبة التصريف فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا أي خفن أن لا يقمن بحقها فاستبرأن لأنفسهن وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ عرضا أيضا لما وجد في نفسه من قوة الصورة التي خلق عليها إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً لنفسه و هو قوله وَ مَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذٰاباً كَبِيراً فإذا ظلم نفسه بقبول النيابة المعروضة عليه أذاقه اللّٰه ما قال اللّٰه لأبي يزيد أخرج إلى عبادي بصورتي يعني خليفة فمن رآك رآني فلما خطا عنه خطوة غشى عليه فقال الحق ردوا على حبيبي فلا صبر له عني فالنيابة مع الأمر يكون فيها الحرج و ضيق الصدر فكيف بالعرض فمن زهد في الخلافة المعروضة فمن هذا الذكر زهد و تركها و لم يقبلها و أشفق منها و من قبلها من أصحاب هذا الذكر فبتأويل دخل لهم في أول الدخول في هذا الذكر و هو لفظة العذاب فإنه من العذوبة و هي التلذذ بالأمر و هو قول أبي يزيد في بعض أحواله
و كل مآربي قد نلت منها سوى ملذوذ وجدي بالعذاب
و لم يقل بالآلام و إنما قال بالعذاب لما فيه من العذوبة و هي اللذة باللذة أي أنه يلتذ باللذة لا أنه يلتذ بالأشياء و هذا مثل ما يقوله أهل النظر في العلم إن بالعلم يعلم العلم و بالرؤية ترى الرؤية في مذهب المتكلمين و كذلك تدرك اللذة باللذة فاعلم ذلك فإنه باب غريب في الذكر وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الثاني و الأربعون و خمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله وَ مَنْ
كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمىٰ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً »
إنما تعمي القلوب في الصدور
التي تحوي عليهن الصدور
ثم هذا الحكم فيمن صدرت
عن ورود كان منها الأمور
ليس يعمى صادر عنه به
كيف يعمى من له عين الظهور
قال اللّٰه تعالى وَ لٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ على الوجهين الواحد من الوجهين للحصر و الثاني للرجوع
[أن العماء حيرة و أعظمه الحيرة في العلم بالله]
فاعلم أن العماء حيرة و أعظمه الحيرة في العلم بالله و العلم بالله على طريقين الطريق الواحدة النظر الفكري فلا يزال صاحب هذا الطريق إذا و في النظر حقه في حيرة إلى الموت فإنه ما من دليل إلا و عليه عنده دخل و شبهة لاتساع عالم الخيال إذا لقوة المفكرة ما لها تصرف إلا في هذه الحضرة الخيالية إما بما فيها مما اكتسبته من القوي الحسية