الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٨٧ - الديوان الإلهي الوجودي رأسه العقل الأول و هو القلم
ما فهو محمود بنسبة أقوى لها الحكم فيه فالحمد لله تملأ الميزان لأنه كل ما في الميزان فهو ثناء على اللّٰه و حمد لله فما ملأ الميزان إلا الحمد فالتسبيح حمد و كذلك التهليل و التكبير و التمجيد و التعظيم و التوقير و التعزيز و أمثال ذلك كله حمد فالحمد لله هو العالم الذي لا أعم منه و كل ذكر فهو جزء منه كالأعضاء للإنسان و الحمد كالإنسان بجملته
فقد بان لك الحمد فلا يحجبنك الذم
و قد لاح لك السر فما غيبه الكتم
و حكم هذه الحضرة على ثلاثة أنحاء في التمام و الكمال و أتمها واحد منها و ذلك حمد الحامد نفسه يتطرق إليه الاحتمال فلا يكون له ذلك الكمال فيحتاج إلى قرينة حال و علم يصدق الحامد فيما حمد به نفسه فإنه قد يصف واصف نفسه بما ليس هو عليه و كذلك حكمه إذا حمده غيره يتطرق أيضا إليه الاحتمال حتى يستكشف عن ذلك فينقص عن درجة الإبانة و التحقيق و الحمد الثالث حمد الحمد و ما في المحامد أصدق منه فإنه عين قيام الصفة به فلا محمود إلا من حمده الحمد لا من حمد نفسه و لا من حمده غيره فإذا كان عين الصفة عين الموصوف عين الواصف كان الحمد عين الحامد و المحمود و ليس إلا اللّٰه فهو عين حمده سواء أضيف ذلك الحمد إليه أو إلى غيره
فما ثم إلا اللّٰه فاحمد نقل حقا و لا تعتبر في الحمد كونا و لا خلقا
و راقب ثناء الحق في كل لفظة فإن له في كل محمدة مرقى
فمن نال هذا العلم نال مكانة تنزله من ربه المنزل الصدقا
و سابق إلى هذا المقام بعزمة مع السابقات الغر في حمده سبقا
و لا بد من تقسيم ربك خلقه فلا بد من أتقى و لا بد من أشقى
و قد جاء في نص الكتاب مسطرا بليل و أعلى فاعتبر ذلك النطقا
فإن كتاب اللّٰه ينطق بالذي قد أودعه الرحمن في خلقه حقا
و قد وضح العلم الجلي لذي حجى فإن شئت أن تردى و إن شئت أن ترقى
و الحمد لله المنعم المفضل و الحمد لله على كل حال فعم و خص وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«المحصي حضرة الإحصاء»
إذا أحصيت أمرك في كتاب
تكن أنت الذي تحصى و تحصى
و قلت لأمنا مهلا علينا
و قلت لاختنا بالله قصي
إذا ما جئت يا نفسي إليه
فقولي ما تشاء له و قصي
مضى عني و لم أشهد سواه
فقلت لهمتي بالله قصي
و خصي من تعبده هواه
و لا تكتمه ما تدريه خصي
[الديوان الإلهي الوجودي رأسه العقل الأول و هو القلم]
يدعى صاحبها عبد المحصي و هي حضرة الإحاطة أو أختها لا بل هي أختها لا عينها قال تعالى وَ أَحٰاطَ بِمٰا لَدَيْهِمْ وَ أَحْصىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً و قال في الكتاب لاٰ يُغٰادِرُ صَغِيرَةً وَ لاٰ كَبِيرَةً إِلاّٰ أَحْصٰاهٰا و هذا مقام كاتب صاحب الديوان كاتب الحضرة الإلهية و هذا الكاتب هو الإمام المبين قال تعالى وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنٰاهُ فِي إِمٰامٍ مُبِينٍ فالديوان الإلهي الوجودي رأسه العقل الأول و هو القلم و أما الإمام فهو الكتاب و هو اللوح المحفوظ ثم تنزل الكتبة مراتبها في الديوان بأقلامها لكل كاتب قلم و هو
قوله ص لما ذكر حديث الإسراء فقال حتى ظهرت لمستوي أسمع فيه صريف الأقلام فالقلم الأعلى الذي بيد رأس الديوان لا محو فيه كل أمر فيه ثابت و هو الذي يرفع إلى الحق و الذي بأيدي الكتبة فيه ما يمحو اللّٰه و فيه ما يثبت على قدر ما تأتي به إليهم رسل اللّٰه من عند اللّٰه من رأس الديوان من إثبات ما شاء و محو ما شاء ثم ينقل إلى الدفتر الأعلى فيقابل باللوح المحفوظ فلا يغادر حرفا فيعلمون عند ذلك أَنَّ اللّٰهَ قَدْ أَحٰاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً إلا أن الفرق بين الإحصاء و الإحاطة إن الإحاطة عامة الحكم في الموجود و المعدوم و في كل معلوم و الإحصاء لا يكون إلا في الموجود فما هو شيئية أحاط بكل شيء علما شيئية أَحْصىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً فشيئية الإحصاء تدخل في شيئية الإحاطة