الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٨١ - نسبة المؤمن الكامل و الرسول ص إلى الخلق
كانت قرينة الحال تحيره بقي على الأمر العرفي الذي يشهد له بمكارم الأخلاق و لذلك قال مٰا كٰانَ مُحَمَّدٌ أَبٰا أَحَدٍ مِنْ رِجٰالِكُمْ وَ لٰكِنْ رَسُولَ اللّٰهِ وَ خٰاتَمَ النَّبِيِّينَ فهو واقف مع حكم اللّٰه و هكذا المؤمن الكامل الايمان ما هو مع الناس و إنما هو مع ما يحكم اللّٰه به عليه على لسان رسوله ص الذي بالإيمان به ص ثبت الايمان له فإن النبي ص يقول في حق من يؤمن بالله و يؤمن بي و بما جئت به و ما بعثه اللّٰه تعالى إلا ليتمم مكارم الأخلاق فأحواله كلها مكارم أخلاق فهو مبين لها بالحال و هو أتم و أعدل و أمضى في الحكم من القول فإن الحق
له نزول إلى عباده و ما لنا نحوه عروج
فإنه لم يزل عليا يجهله العالم المريج
من ليس في حيز تراه فلا ولوج و لا خروج
و نحن في حيز و وقت يصح فيه لنا الولوج
لاح بأرض الجسوم عنه من كل شيء زوج بهيج
فنسبة المؤمن الكامل و الرسول إلى الخلق نسبة ليلة القدر إلى الليالي و ما أراد بألف شهر توقيتا بل أراد أنها خير على الإطلاق من جميع ليالي الزمان في أي وجود كان
إذا بدا فيك كل أمر فأنت خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
في ليلة ما لها صباح يذهبها منك نور فجر
ما الروح في كونها سوائي يا ليلة القدر فيك قدري
في ليلة القدر من وجودي ينزل الحق كل أمر
فكان مما نزل وَ تَخْشَى النّٰاسَ وَ اللّٰهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشٰاهُ و ما جعله في ذلك إلا
قوله ص لو كنت أنا بدل يوسف لأجبت الداعي يعني داعي الملك لما دعاه إلى الخروج من السجن فلم يخرج يوسف حتى قال اِرْجِعْ إِلىٰ رَبِّكَ يعني العزيز الذي حبسه فَسْئَلْهُ مٰا بٰالُ النِّسْوَةِ ليثبت عنده براءته فلا تصح له المنة عليه في إخراجه من السجن بَلِ اللّٰهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ إذ لو بقي الاحتمال لقدح في عدالته و هو رسول من اللّٰه فلا بد من عدالته أن تثبت في قلوبهم فلذلك كانت الخشية حتى لا ترد دعوة الحق فابتلى اللّٰه نبيه ص بنكاح زوجة من تبناه و كان لو فعله عند العرب مما يقدح في مقامه و هو رسول اللّٰه فأبان اللّٰه لهم عن العلة في ذلك و هو رفع الحرج عن المؤمنين في مثل هذا الفعل ثم فصل بينه و بينهم بالرسالة و الختم فكان من اللّٰه في حق رسول اللّٰه ص ما كان من يوسف حين لم يجب الداعي فهذا من هدى الأنبياء الذي قال فيه لرسوله ص حين ذكر الأنبياء ع أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّٰهُ فَبِهُدٰاهُمُ اقْتَدِهْ فلو كان رسول اللّٰه ص في الحال الذي كان فيه يوسف ع ما أجاب الداعي و لقال مثل ما قال يوسف فما
قال لو كنت أنا لأجبت الداعي إلا تعظيما في حق يوسف كما قال نحن أولى بالشك من إبراهيم و لم يكن في شك لا هو و لا إبراهيم من الشك الذي يزعمونه الذي نفاه رسول اللّٰه ص فإنه لو شك إبراهيم لكان محمد أولى بالشك منه فإنه مأموران يهتدي بهداهم فالرسل و المؤمنون الكمل ما هم واقفون مع ما يعطيهم نظرهم و إنما يقفون مع ما يأتيهم من ربهم و الذي يأتيهم من اللّٰه قد يكون كما قلنا أمرا و عرضا فالأمر معمول به و لا بد و في العرض التخيير كما قررنا و أما حالهم في معرفتهم بالله فكما قلنا في قصيدة لنا
معارف الحق لا تخفى على أحد إلا على أحد لا يعرف الأحدا
(و كما قلنا)
إذا كان مشهودي هو الكيف و الكم فما ذاك إلا الوهم ما ذلك العلم
بما هو عين الأمر في عين ذاته و هل يتجلى الحق فيما له كم
فما هو حق في الحقيقة واضح و لكنه حق عليه بنا ختم