الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٠٩ - البدن من شعائر اللّٰه
وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إلى موسى مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهٰا تَسْعىٰ الذي سَحَرُوا به أَعْيُنَ النّٰاسِ فتلك حبال نشأت بين الخيال و بين أعين الناظرين كصورة السماء في المرآة فما هي السماء و لا غير السماء فإنك تعلم قطعا إن الجرم الذي رأيت في المرآة أقل من جرم السماء و أكبر من جرم المرآة و تعلم قطعا إنك ما رأيت إلا السماء عينها فلهذا جعلنا الحكم للمواطن فلا يجيء من العالم أمر يسمى خرق عادة إلا بإذن اللّٰه فبغير إذن اللّٰه ما يصح و لهذا ما يكون من كل أحد ظهور ذلك و إن كنا نعلم أنه ما يحدث صورة في العالم إلا و الحياة تصحبها و هي روحها و بذلك الروح تكون تلك الصورة مسبحة فالروح تسبح اللّٰه تعالى و الصورة مسبحة بالروح ربها تعالى
فقد علمت الذي أقول و لست تدري الذي يقول
و لست أدري الذي نقول فإنه الناطق القوول
و هذا القدر كاف وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الخامس و السبعون و أربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اللّٰهِ »
شعائر اللّٰه أعلام لنا نصبت
لنعلم الفرق بين الحق و الخلق
و هي الحدود التي قامت برازخها
وقاية للذي يقول بالفرق
فمن يعظمها كانت وقايته
و هو الذي يتقي الأشياء بالحق
اللّٰه دون الخلق له من منزلة
يوم الوفود تسمى مقعد الصدق
يحوزها بالذي حاز السباق لها
لما جرى معهم في حلبة السبق
يفنى و يبقى الذي يدعوه متصفا
أسماؤه عندنا بالمفني و المبقي
[قلب المؤمن وسع عظمة اللّٰه]
قال اللّٰه تعالى في تعظيمها لا بل فيها فَإِنَّهٰا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ لَكُمْ فِيهٰا يعني الشعائر مَنٰافِعُ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهٰا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ و هو بيت الايمان عند أهل الإشارات و ليس إلا قلب المؤمن الذي وسع عظمة اللّٰه و جلاله شعائر اللّٰه أعلامه و أعلامه الدلائل عليه الموصلة إليه و يا عجبا كيف يصل إليه و هو عنده كما قال أبو يزيد و قد سمع قارئا يقرأ يوم نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمٰنِ وَفْداً فصاح و بكى حتى طار الدم من عينيه و ضرب المنبر و قال كيف يحشر إليه من هو جليسه فصدق اللّٰه في الكمال فإن المتقي ما يتقي الرحمن و صدق أبو يزيد فإنه ما كان مشهوده في الحال إلا الرحمن و الولي لا يتعدى ذوقه و لا ينطق بغير حاله و يرد كل شيء يسمع إلى الحال الذي يغلب عليه و كان حال أبي يزيد في ذلك الوقت هو الذي نطق به فالمرء مخبوء تحت لسانه فإن اللسان ترجمان أحوال الناطق
[البدن من شعائر اللّٰه]
ثم اعلم أن البدن جعلها اللّٰه من شعائره و لهذا تشعر ليعلم أنها من شعائر اللّٰه و ما وهب لله لا رجعة فيه أ لا تراها إذا ماتت قبل الوصول إلى البيت كيف ينحرها صاحبها و يخلي بينها و بين الناس و لا يأكل منها شيئا فهذا من منة اللّٰه حيث جعلك مثلا و ميزك عنه و جعل لك ملكا و طلب منك أن تقرضه و النعمة بالأصالة نعمته و هذه كلها من شعائر اللّٰه فإن كل شعيرة منها دليل على اللّٰه من حيث أمر ما خاص أراده اللّٰه و أبانه لأهل الفهم من عباده فيتفاضلون في ذلك على قدر فهمهم فإذا رأيت ما يقال فيه إنه من شعائر اللّٰه و تجهل أنت صورته في الشعائر و لا تعلم ما تدل عليه هذه الشعيرة فاعلم إن تلك الشعيرة ما خاطبك الحق بها و لا وضعها لك و إنما وضعها لمن يفهمها عنه و لك أنت شعيرة أيضا غيرها و هي كل ما تعرف أنها دلالة لك عليه كما قال أبو العتاهية
و في كل شيء له آية تدل على أنه واحد
فقف عندها وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فيقوي فهمك فيما أنزله و يعلمك مٰا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ فإذا أمكنك الحق من نفسك علمت أنك من أقوى الشعائر عليه و أوضحها و لهذا
جاءت الشريعة بقولها من عرف نفسه عرف ربه فإذا وصلت إلى ما أوصلتك إليه شعائر نفسك و شاهدت المشعور رأيته على صورتك فمن هناك تعلم أنك الأصل في علمه بك و أنه ما تجلى لك إلا في صورة علمه بك و لا كان عالما بك إلا منك و أنت بذاتك أعطيته لعلم بك فأنت الشعيرة له عليك فإن