الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٥ - إن الإمامة اعطا اللّٰه على الإنسان
فما تم إلا عبده و هو ربه
و ما تم إلا راحم و رحيم
أراد بالرحيم هنا المرحوم اسم مفعول مثل قتيل و جريح و طريد و لاٰ تَبْدِيلَ لِكَلِمٰاتِ اللّٰهِ و هي أعيان العالم و إنما التبديل لله لا لهم مٰا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهٰا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهٰا أَوْ مِثْلِهٰا و في قراءة أو ننساها فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّٰهِ و هي ما بشرنا به من عموم مغفرته مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُ فمن هنا و إن كانت شرطا ففيها رائحة الاستفهام و قال في الجواب فَإِنَّ اللّٰهَ شَدِيدُ الْعِقٰابِ و لم يقل فإن اللّٰه يعاقب من بدل نعمة اللّٰه فهو كما قال شَدِيدُ الْعِقٰابِ في حال العقوبة فما ثم من يقدر يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُ فيبدل نعمة اللّٰه بما هو خير منها بحسب حاجة الوقت فإن الحكم له أو مثلها و النسخ تبديل لا بدائم أنه القائل
أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا فمن لم يظن بالله خيرا فقد عصى أمره و جهل ربه و أشقى من إبليس فلا يكون و قد أخبر اللّٰه تعالى عنه أنه يتبرأ من الكافر و وصفه بالخوف لله رب العالمين و قد ذكر تعالى أنه إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ و أتم هذه الآية بقوله إِنَّ اللّٰهَ عَزِيزٌ أي يمتنع أن يؤثر فيه أمر يحول بينه و بين عموم مغفرته على عباده غَفُورٌ ببنية مبالغة في الغفران بعمومها فهي رجاء مطلق للعصاة على طبقاتهم و قوله فيمن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُ أنه شَدِيدُ الْعِقٰابِ أي يسرع تعالى إلى من هذه صفته بالعقاب و هو أن يعقبه فيما بدله أن التبديل لله عز و جل ليس له فيعرفه أنه بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ فإن اللّٰه ما قرن بهذا العقاب ألما و متى لم يقرن الألم بعذاب أو عقاب فله محمل في عين الأمر المؤلم فإنه لا يخاف إلا من الألم و لا يرغب إلا في الالتذاذ خاصة هذا يقتضيه الطبع الذي وجد عليه من يقبل الألم و اللذة و قد أعطى اللّٰه لعبيدة في القرآن من الاحتجاج ما لا يحصى كثرة كل ذلك تعليم من اللّٰه فلو كان الشقاء يستأصل الشقي ما بسط اللّٰه لعباده من الرحمة ما بسط و لا ذكر من الحجج ما ذكره و هو قوله وَ عَلَّمَكَ مٰا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كٰانَ فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكَ عَظِيماً و لا يعظم الفضل الإلهي إلا في المسرفين و المجرمين و أما في المحسنين ف مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ فإن الفضل الإلهي جاءهم ابتداء و به كانوا محسنين و ما بقي الفضل الإلهي إلا في غير المحسنين وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ.
إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ
«الباب الرابع و أربعمائة في معرفة منازلة
من شق على رعيته سعى في هلاك ملكه و من رفق بهم بقي
ملكا كل سيد قتل عبدا من عبيده فإنما قتل سيادة من سياداته إلا أنا فانظره»
حكم الإضافة يبقيه و يبقينا
و تلك حكمته سبحانه فينا
لو لا العبيد لما كانت سيادة من
ساد العباد و لا كانوا موالينا
قد قال في خلدي ما كان معتقدي
عند النداء كما كنا يكونونا
ما يعدم الحق موجودا لزلته
و كيف يعدم من فيه يوالينا
بكونه كان خلاقا و ليس له
في نفسه أثر و لا يبارينا
[إن الإمامة اعطا اللّٰه على الإنسان]
قال اللّٰه تعالى اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ لم يقل رب نفسه لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه فهذه وصية إلهية لعباده لما خلقهم على صورته و أعطى من أعطى منهم الإمامة الكبرى و الدنيا و ما بينهما و ذلك
قوله ص كلكم راع و مسئول عن رعيته فأعلى الرعاء الإمامة الكبرى و أدناها إمامة الإنسان على جوارحه و ما بينهما ممن له الإمامة على أهله و ولده و تلامذته و مماليكه فما من إنسان إلا و هو مخلوق على الصورة و لهذا أعمت الإمامة جميع الأناسي و الحكم في الكل واحد من حيث ما هو إمام و الملك يتسع و يضيق كما قررنا فالإمام مراقب أحوال مماليكه مع الأنفاس و هذا هو الإمام الذي عرف قدر ما ولاة اللّٰه عليه و قدمه كل ذلك ليعلم أن اللّٰه رقيب عليه و هو الذي استخلفه ثم نبهه على أمر لو عقل عن اللّٰه و ذلك أن السيد إذا نقصه عين أو حال ممن ساد عليه فإنه قد نقص من سيادته بقدر ذلك و عزل بقدر ذلك كمن أعتق شقصا له في عبد فقد عتق من العبد ما عتق و لم يسر العتق في العبد كله إلا أن يعتق كله كذلك الإمام إن غفل بلهوه و شأنه و شارك رعيته فيما هم عليه من فنون اللذات و نيل الشهوات و لم ينظر من أحوال ما هو مأمور بالنظر في أحواله