الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٥١ - سر تيسير العسير
و لا جيل إلا و هو مملوك للقطمير و النقير و الفتيل فالكل تائه و لهذا قنعوا بالتافه فمنهم الشكور و الكفور و منهم الراغب و الزاهد و منهم المعترف و المعاند الجاحد لم يحصل له أمان الغرفة إلا من قنع في شربه بالغرفة فمن اغترف نال الدرجات و من شرب ليرتوي عمر الدركات فما ارتوى من شرب و روى مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ و طرب مع أن القرائن أَقْوَمُ قِيلاً و هو الحاوي على كل شيء أوتيناه و أهدى سبيلا و ما أوتينا مِنَ الْعِلْمِ إِلاّٰ قَلِيلاً لما جرى نهر البلوى بين العدوتين الدنيا و القصوى و كان الاضطرار وقع الابتلاء و الاختبار لما كان الظماء اختبر الإنسان بالماء و من الماء جعل اللّٰه كل شيء حي في ظلمة و نور و في و الحياة نعيم في الحديث و القديم فمن أهل العدوة الدنيا من لا يموت و لا يحيى و من أهل القصوى من كانت نجاته في الدعوى التافه و العظيم سيان في النعيم ليس في الكثرة زيادة إلا في عالم الشهادة و أما في عالم الغيب فما في المساواة فيه ريب المعنى لا ينقسم إذا قسم ما قسم لا يقبل الانقسام إلا عالم الأجسام من رضي بالقليل عاش في ظل ظليل في خير مستقر و أحسن مقيل و ما ثم كثير فكل ما في الوجود يسير هذا و ما ثم منع و لا عم النفع النفع وقف على نيل الغرض و الغرض قد يكون سببا في وجود المرض من لم يأته غرضه طال في الدنيا مرضه لذلك قال رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ فالرضي منا و منه
[الرضي بالدون هجا و الهجا جفا]
و من ذلك الرضي بالدون هجا و الهجا جفا من الباب الثاني و العشرون و مائة لا يرضى بالحقير إلا من لا يعرف قبيلا من دبير اعتناء الحق بالنقير دليل على أنه كبير لا يخفى على ذي عينين أن لله عناية بكل ما في الكون إخراج الشيء من العدم إلى الوجود دليل على أنه في منازل السعود من أعطاه الحق صفته فقد منحه علمه و معرفته هجا الكون ثناء و مدحه هجا من طلب من الحق الوفاء فقد ناط به الجفاء و ليس برب جاف بلا خلاف الوفاء مع كلمه من شيمه صفات الحق لا تستعار و على الاتصاف بها المدار لا تصل إليه إلا بالاعتماد عليه و الاعتماد عليه محال لأنك ما أنت مغاير له بحال إذا كان الكل منه فما معنى رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ متعلق الرضي القليل فإن الإنعام لا يتناهى بالبرهان الواضح و الدليل فلا بد من الرضي بذا حكم الدليل و قضى و بهذا المعنى رضاه سبحانه عنك بما أعطيته منك على أنك ما أعطيته إلا ما خلقه فيك و هذا القدر يكفيك و هو يعلم أن الاستطاعة فوق ما أعطيته و الأمر كما بلوته الدون ما دون و ما ثم الأدون لا يلتفت العارف لما يخاطبه به الواقف فإن الواقف محجور عليه بما ينتقل إليه و المحجور خطابه محصور و العارف متصرف في كل وجهه لكونه يشاهد وجهه و من عرف الوجه فهو الكامل بكل وجه لا تنظر الأبصار إلا إليه و لا تعتمد البصائر إلا عليه فكل ما في العلم لديه و حاضر بين يديه يحيط به إحاطة الأفلاك بالأملاك و يحكم عليه حكم الملاك في الأملاك لاٰ يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ و ما كل فريضة تقتضي العول لا ينكح الأمة إلا من لا يستطيع الطول و اللّٰه ولي التوفيق و هو بالفضل حقيق
[سر تيسير العسير]
و من ذلك سر تيسير العسير من الباب ١٢٣ الخلق في الإعسار و إن كان ذا يسار فإن يسار الحق ما هو عين الخلق فمنه أخذ و إياه أعطى و لا يعرف هذا إلا بعد كشف الغطاء الجواد قديم و الجود محدث فلا تتحدث التحدث بالنعم شكر و ليست سواك في الخلق و إن كانت بيد الحق لما كان بيده الإيجاد و منع وقتا و جاد قلنا بالعسر المعتاد العسر إفلاس و لا يكون إلا لأهل الحاجة من الحيوان و الناس كل متحرك بالإرادة فهو يطلب خرق العادة و النبات و الجماد لا يقولان بالمعتاد الحاجة بالحال فلهذا يستغني به عن السؤال لسان الحال أفصح و وزنه أرجح لسان الحال لمن عدا أهل المنطق فأظهر بصفتهم و لا تنطق ما حال بينك و بين حقك إلا عجلتك بنطقك الرزق مقسوم و منزل بقدر معلوم لا ينقص و لا يزيد سؤال العبيد طلب الزيد في الجبلة في كل ملة كيف لا يظهر بالافتقار من حكم عليه الاضطرار و بقي الحكم للاقدار ف كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدٰارٍ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ و ما جعله يتأخر إلا القضاء المقدر فهو القاضي بالتأخير في تيسير العسير إذا قام اليسر بالعسر ظهر عين الإعسار و إن لم يقم به فليس إلا اليسار ما في العالم عسر لو زالت الأغراض و كله يسر