الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٨٣ - إن اللّٰه وهب لموسى ع حكما
و علم من أين وقع ما وقع فاستقام كما أمر فالله يهدينا صراط من أنعم عليه مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَدٰاءِ وَ الصّٰالِحِينَ وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب التاسع و الثلاثون و خمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله فَفِرُّوا إِلَى اللّٰهِ »
كل من فر إلى اللّٰه أصاب
و الذي فر من الرحمن خاب
استوى عيش الذي قربه
و إليه و حلا فيه و طاب
لو ترى حال الذي أشهده
عينه حين تجلى في السراب
لرأيت الري من أرجائه
خارجا و الساقي من خلف الحجاب
كان ظمآنا فلما جاءه
لم يزل صاحب كأس و شراب
لم يجده ماء مزن سائغا
إنما كان وجود ثم غاب
ما حياة الماء إلا عينه
و الذي خالف فيه ما أصاب
[إن اللّٰه وهب لموسى ع حكما]
موسى ع لما فر من فرعون حين خاف من اللّٰه أن يسلطه عليه لأن اللّٰه فَعّٰالٌ لِمٰا يُرِيدُ فوهبه اللّٰه حكما و هي الرسالة فجعله من المرسلين إلى من خاف أن يسلط عليه و هو فرعون فإذا أنتج له هذا الفرار من المخلوق خوفا على نفسه فأين أنت من المحمدي الذي أمرك أن تفر إلى اللّٰه فقيدك بحرف الغاية في القصد الأول فربط لك البداية بالنهاية فقال لنا فَفِرُّوا إِلَى اللّٰهِ فالموسوي يفر من و المحمدي يفر إلى عن أمر اللّٰه تعالى إياه بذلك الفرار فما أكمل شرعه و ما أعلى رتبته و الحكم منقطع و الرسالة منقطعة و لذلك
قال رسول اللّٰه ص إن الرسالة و النبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي و لا نبي فيزول الحكم المشروع بزوال الدنيا و يرجع الحكم إلى اللّٰه الذي نفر إليه بلا واسطة فالذي ينتج الفرار إليه لا يقدر قدره فإنه كشف محمدي يربي على كشف الرسل من حيث هم رسل ع فيثبتهم هذا الفار في أماكنهم و يجوز بكشفه فوق رتبة خطاب التكليف فيرى أحدية العين فيقف معها و منها يستشرف على أحدية الكثرة فيرى أيضا نفسه هناك معهم في أحدية الكثرة فيأمرها على بينة من ربه و بصيرة أن تنتظم في سلك المكلفين فتنصرف النفوس المحسوسة هنا من هؤلاء الفارين إلى اللّٰه عن أمرهم فتراهم معصومين محفوظين فالرسل منهم معصومون في خلافهم و الأولياء محفوظون في خلافهم فللرسل التشريع و للأولياء الانفعال بحسب ما يشهدونه هنالك فيكونون في خلافهم على بصيرة و لا يدعون إليه و إنما يدعون إلى اللّٰه كما تفعل الرسل ع قال اللّٰه تعالى لنبيه أن يقول أَدْعُوا إِلَى اللّٰهِ عَلىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي فما أفرد نفسه بل ذكر اتباعه معه فإنهم لا يكونون أتباعه إلا حتى يكونوا على قدمه فيشهدون ما يشهد و يرون ما يرى فخذوا من العلماء بالله الدعاة إلى اللّٰه ما يقولون و لا تنظروا إلى أفعالهم و أحوالهم فإنهم على ما عين الحق لهم غير ذلك لا يكون قال بعض الصالحين في جلساتهم من جالسهم و خالفهم في شيء مما يتحققون به نزع اللّٰه نور الايمان من قلبه فليس لجلسائهم إن يفعلوا مثل أفعالهم و إنما عليهم إنهم لا ينازعونهم فيما يظهر عليهم من علم الحقيقة فإن أحوالهم تجري عليها و لذلك قال نزع اللّٰه نور الايمان من قلبه فلا يصدقهم فيما يخبرون به عن الحق و هم بهذه المثابة من القرب من اللّٰه وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الموفي أربعين و خمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله وَ لَوْ أَنَّهُمْ
صَبَرُوا حَتّٰى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكٰانَ خَيْراً لَهُمْ »
اركن إلى اللّٰه لا تركن إلى السبب
و اجنح إلى السلم لا تجنح إلى الحرب
فانظر إلى كل ما في الكون من عجب
يأتيك سهلا بلا كد و لا نصب
إذا اعتمدت على الرحمن فيه فكن
في كل حال مع الرحمن في السبب
فكن به لا تكن فيه بكم فترى
ما شئت من صور فيه و من سبب
فإن دعاك إلى ما أنت تجهله
فلا تجبه فإن العلم في النسب