الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤٩٤ - (وصية)
إبليس منزلة أعظمهم فتنة فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم
(وصية)
ادع اللّٰه أن يجعلك من صالحي المؤمنين تكن ولي رسول اللّٰه ص و ناصره فإن اللّٰه قرن صالح المؤمنين مع نفسه و جبريل و الملائكة في نصرة رسول اللّٰه ص و
قال رسول اللّٰه ص إنما وليي اللّٰه و صالح المؤمنين و إن كنت واليا فلتساو في إقامة الحدود الشرعية على من تعينت عليه من شريف و وضيع و من تحبه و تكرهه
فإن رسول اللّٰه ص ثبت عنه أنه قال إنما هلك من كان قبلكم إنهم كانوا يقيمون الحدود على الوضيع و يتركون الشريف و إياك يا أخي أن تحجر عناية اللّٰه عن إماء اللّٰه لما سمعت أن لِلرِّجٰالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ فتلك درجة الانفعال فإن حواء خلقت من آدم فلما انفعلت عنه كان له عليها درجة السبق
فكل أنثى من سبق ماء المرأة ماء الرجل و علوه على ماء الرجل هذا هو الثابت عن رسول اللّٰه ص فاعلم ذلك فللرجال عليهن درجة فإن الحكم لكل أنثى بماء أمها و هنا سر عجيب دقيق روحاني من أجله كان النساء شقائق الرجال فخلقت المرأة من شق الرجل فهو أصلها فله عليها درجة السببية و لا تقل هذا مخصوص بحواء فكل أنثى كما أخبرتك من مائها أي من سبق مائها و علوه على ماء الرجل و كل ذكر من سبق ماء الرجل و علوه على ماء الأنثى و كل خنثى فمن مساواة الماءين و امتزاجهما من غير مسابقة و احذر من فتنة الدنيا و زينتها و فرق بين زينة اللّٰه و زينة الشيطان و زينة الحياة الدنيا إذا جاءت الزينة مهملة غير منسوبة فإنك لا تدري من زينها لك فانظر ذلك في موضع آخر و اتخذه دليلا على ما انبهم عليك مثل قوله زَيَّنّٰا لَهُمْ أَعْمٰالَهُمْ و مثل قوله أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ و لم يذكر من زينه فتستدل على من زينه من نفس العمل فزينة اللّٰه غير محرمة و زينة الشيطان محرمة و زينة الدنيا ذات وجهين وجه إلى الإباحة و الندب و وجه إلى التحريم
و الحياة الدنيا وطن الابتلاء فجعلها اللّٰه حلوة خضرة و استخلف فيها عباده فناظر كيف يعملون فيها بهذا جاء الخبر النبوي فاتق فتنتها و ميز زينتها وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و إذا فجأك أمر تكرهه فاصبر له عند ما يفجئوك فذلك هو الصبر المحمود و لا تتسخط له ابتدا ثم تنظر بعد ذلك أن الأمر بيد اللّٰه و أن ذلك من اللّٰه فتصبر عند ذلك فليس ذلك بالصبر المحمود عند اللّٰه الذي حرض عليه رسول اللّٰه ص
و لقد مر رسول اللّٰه ص بامرأة و هي تصرخ على ولد لها مات فأمرها إن تحتسبه عند اللّٰه و تصبر و لم تعرف أنه رسول اللّٰه ص فقالت له إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي فقيل لها هذا رسول اللّٰه ص فجاءت تعتذر إليه مما جرى منها فقال لها رسول اللّٰه ص إنما الصبر عند الصدمة الأولى ينبه ص العبد أنه لا يزال حاضرا مع اللّٰه أبدا فهو أولى به و عليك برحمة الضعيف المستضعف فإنه
قد ثبت أن اللّٰه ينصر عباده و يرزقهم بضعفائهم و إذا اقترضت من أحد قرضا فأحسن الأداء و أرجح إذا وزنت له و اشكره على قرضه إياك و انظر الفضل له و لكل من أحسن إليك أو أهدى لك هدية أو تصدق عليك و لو بالسلام فإن له الفضل عليك بالتقدم و ما عرف مقدار السلام الذي هو التحية إلا الصدر الأول فإني رويت أنهم كانوا إذا حالت بين الرجلين شجرة و هما يمشيان في الطريق فإذا تركاها و التقيا سلم كل واحد منهما على صاحبه لمعرفته بسرعة تقلب النفوس و ما يبادر إليها من الخواطر القبيحة من إلقاء إبليس فيكون السلام بشارة لصاحبه إنه سلم من ذلك و إنه معه على ما افترقا عليه من حسن المودة فانظر إلى معرفتهم بالنفوس رضي اللّٰه عنهم و من قال لك إنه يحبك فلو أحببته ما عسى أن تحبه لن تبلغ درجة تقدمه في حبه إياك فإن حبك نتيجة عن ذلك الحب المتقدم و ما قلت لك ذلك إلا أني رأيت و سمعت من فقراء زماننا من جهالهم لا من علمائهم يرون الفضل لهم على الأغنياء حيث كانوا فقراء لما يأخذونه منهم إذ لو لا الفقراء ما صح لهم هذا الفضل و هذا غلط عظيم فإن الثناء على المعطي ما هو من حيث ما وجد من يأخذ منه و إنما هو لقيام صفة الكرم به و وقايته شح نفسه سواء وجد من يأخذ منه أو لم يجد أ لا ترى إلى النص الوارد في المتمني مع العدم إذا تمنى و يقول لو أن لي مالا فعلت فيه من الخير مثل ما فعل هذا المعطي فأجرهما سواء و زاد عليه بارتفاع الحساب عنه و السؤال و لهذا قلنا بأن ترى الفضل عليك لمن أعطى بما أعطى فهو أولى بك و أن اليد العليا هي خير من اليد السفلي و اليد العليا هي المنفقة و اليد السفلي هي السائلة هذا السؤال و لكن إذا لم تر اللّٰه في سؤالها لأن الحق قد سأل عباده في أمره إياهم