الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٨٠ - من جاء من فوق فهو صاحب ذوق
و قال المنادي من ذا فقال هذا الذي بغي عليه قد نزل الحق إليه فأكرمه بنزوله و شرف محله بحلوله فوسعه و قد ضاق عنه المتسع و كان الفضاء الأوسع
فعلمنا من خفي حكمته أن قلب المؤمن أوسع من رحمته مع أنه من الأشياء التي وسعته و من الأمور التي جمعته فما وسعه إلا بها و كماله بسببها
[من طاب غاب]
و من ذلك من طاب غاب من الباب الأحد و الخمسين و مائتين ٢٥١ من سمع طاب و من طاب غاب و الغائب آئب فإنه في أوبته إلى ربه ذاهب فإنه تركه في الأهل خليفة شفقة عليهم و حذر أو خيفة و ما خاف عليهم إلا منه لأنه ما يصدر شيء إلا عنه إذا كان السيد راعي الغنم فما جار و ما ظلم و ما ينال منها إلا ما يقوته و قوته ما يفوته قوته آثار أسمائه في عباده و بها عمارة بلاده فحراثة و زراعة و تجارة و بضاعة لذلك وصف باليدين و أظهر في الكون النجدين فالواحدة بائعة و الأخرى مبتاعة إلى قيام الساعة و لكل يد طريق هذا هو التحقيق فإن حكم المشتري ما هو حكم البائع و هذا ما لا شك فيه من غير مانع و لا منازع آئبون تائبون و هو التواب و إليه المآب
[من حضر نظر]
و من ذلك من حضر نظر من الباب ٢٥٢ الحضور أين و ما ثم سوى عين عين لا يحصرها ظرف و لا يسعها حرف نزل لها بذاتها عليها و ما يخرج منها و ينزل يعرج إليها و هذه عبارات تطلب الأينية و تثبت البينية و هذا هو بعينه اعتقاد الثنوية و أنت تقول الأمر واحد و قد كذبك الشاهد فالعروج و النزول يطلب الطريق و ليس هذا في الإلهيات منهج التحقق و قد ورد فلا بد من معرفة ما قصد فإن القول الإلهي حق و كلامه صدق و لا بد من أذن واعية لهذه الداعية و ما خاطب بها إلا الحاضر فهو الناظر فإن كان السامع غير القائل فلا بد أن يصيب و يخطئ و إن كان عين القائل فصوابه يسرع و لا يبطىء بل كلامه عين جوابه فهو المتكلم السامع في أحبابه
[من فكر سكر]
و من ذلك من فكر سكر من الباب ٢٥٣ الفكرة سكرة إلا أن شرابها ممزوج و خلقها مخدوج و ليس الخداج إلا من المزاج و هذا شراب الأبرار و معاطاة الفجار عَيْناً يَشْرَبُ بِهٰا عِبٰادُ اللّٰهِ يُفَجِّرُونَهٰا تَفْجِيراً و تفجيرهم إياها عين المزاج لمن كان بما قلته خبيرا فلو جرت من غير تفجير من كونه على كل شيء قدير لكان شراب المقربين الآتي مِنْ تَسْنِيمٍ على البار المنعم بالتنعيم فبين المقرب و البار ما بين الأعين و الآثار الآثار تدل و العين تشهد و لا نمل الباب قد فتح و الواهب قد منح و الأمر قد شرح فظهرت خفايا الأمور في شرح الصدور انشرحت معانيها و هي ما حصل الحق فيها فلاحت المخبآت عند رفع الكلل و هي ما ظهر في العالم من النحل في الاعتقادات و الملل فانظر و استر
[من نحا صحا]
و من ذلك من نحا صحا من الباب ٢٥٤ لا يزهد في فكرته إلا من صحا من سكرته ما كل شراب مسكر و لا كل قول منكر و ما كل مزاج يشكر و لا كل سامع ينكر الإنكار من ضيق العطن فكن اللبيب الفطن وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً وضع لكل نازلة حكما فإن اللّٰه كذا شرع فاتبع فقد أصاب من اتبع من تأسى بالحق أصاب على أنه مصاب حيث رآه غير أو اعتقد شرا و خيرا فتلا فرقانا لا قرآنا فمن قرأ استبرأ و من تلا الفرقان فهو صاحب نظر في برهان فلا بد من الحيرة لأنه أثبت غيره و من هنا اتصف من اتصف بالغيرة إِنْ تَتَّقُوا اللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً يخاطب مؤمنا و إيمانا ما أيه إلا بالمؤمن و الناس و المؤتين ما أيه بأصحاب العين انتهى السفر الرابع و الثلاثون يتلوه الخامس و الثلاثون
[من جاء من فوق فهو صاحب ذوق]
و من ذلك من جاء من فوق فهو صاحب ذوق من الباب ٢٥٥ هُوَ الْقٰاهِرُ فَوْقَ عِبٰادِهِ حكم عرشه في مهاده فلا يعرف علم الفوق إلا بالذوق و هو لمن أقام الكتب و ميز الرتب و أما من أقامها و ما ميز أعلامها أكل من تحت رجله مما تيقن أنه من رجله و هذا حال الورعين المطيعين يأكلون من كسب أيديهم و لهذا لا يكتسبون من العلم إلا ما سمعوه في ناديهم فيعلم بعضهم بعضا و يقرضون اللّٰه قرضا و هؤلاء أتباع الرسل و أصحاب السبل و أما الرسل فهم أصحاب الأطواق و لهم الأذواق فهم على بصيرة و من اتبعهم مثلهم في دعواهم فهم على أحسن سيرة فهم فِي جَنّٰاتٍ وَ نَهَرٍ أي في ستر و سعة لما عندهم من الدعة فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ في حضرة منيعة لا يصل إليها