الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٥١ - السكينة لقلوب المؤمنين
الكرامة فكان ما يرى أحد وجهه الأعمى فيمسح الرائي إليه وجهه بثوب مما هو عليه فيرد اللّٰه عليه بصره و ممن رآه فعمي شيخنا أبو مدين رحمة اللّٰه تعالى عليهما حين رحل إليه فمسح عينيه بالثوب الذي على أبي يعزى فرد اللّٰه عليه بصره و خرق عوائده بالمغرب مشهورة و كان في زماني و ما رأيته لما كنت عليه من الشغل و كان غيره من الأولياء المحمديين ممن هو أكبر منه في العلم و الحال و القرب الإلهي لا يعرفهم أبو يعزى و لا غيره فمن جعل اللّٰه آيته في قلبه و كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ في قربه فقد ملأ يديه من الخير كله و اختصه و اصطنعه لنفسه و كساه الصفة الحجابية غيرة منه عليه فلم تشهد حاله الأبصار في الدنيا و هم الأخفياء و الأبرياء فمن تحققهم بالحق و ليسوا برسل مشرعين حجبهم الحق لاحتجابه إلى يوم القيامة فيظهرهم اللّٰه في الموطن الذي بتجلى اللّٰه فيه لأبصار عباده و يظهر بنفسه و عينه للخاص و العام فهناك يعرف قدر المحمدي في القرب الإلهي بمقامه في تلاوته كلام ربه عز و جل و هو سكونه لما يتلوه من كشفه و اطلاعه على معانيه فهو في حال تلاوته يستذكر ما عنده فيطلع على نفسه و يسمعه اللّٰه نثر كلامه و نظمه بتأييد الروح القدسي لما جاء في النظم المسمى شعرا من نفخ الشيطان إلا مثل هذا النظم و
قد صح في الخبر أن حسان بن ثابت لما أراد أن يهجو قريشا ينافح بذلك عن رسول اللّٰه ص قال له رسول اللّٰه ص قل يا حسان فإن روح القدس يؤيدك ما دمت تنافح عن عرض رسول اللّٰه فلم يجعل للشيطان عليه سبيلا و إذا كان هذا لمن ينافح فما ظنك بحال من ينطق عن اللّٰه بالله فيكون القائل منه عند قوله ربه عز و جل كما
ورد في الصحيح أن اللّٰه قال على لسان عبده سمع اللّٰه لمن حمده في الصلاة و الحاضرون ما سمعوا إلا صوت المصلي و كلامه بهذا المتكلم به ما ينسبه الحق تعالى جلاله إلا إلى نفسه لا إلى المصلي فاعلم أيها الولي الحميم ذلك تسعد إن شاء اللّٰه
كلامي ليس غيري و هو غيري كما قلنا رميت و ما رميتا
فيا نفسي إذا طلبت نفوس بمشهدك التحاما قول هيتا
و لا تبخل فإن البخل شؤم و تعلو بالعطاء إذا علوتا
و كن حقا و لا تظهر بزور و كن عين القرآن إذا تلوتا
لأن اللّٰه لم يسمع لعبد يناديه بما يتلوه صوتا
فإن يتلو بحق قال عبدي و كان خاله المشهود ميتا
لأن الحق ليس يراه حي لذا كتبوا على الأحياء موتا
فكل من تلا و سكن لما تلا بصدق بصورة ظاهر و حكمة باطن فذلك تال و صاحب سكينة فإن هو تلا و سكن ظاهرا و لم يسكن باطنا و السكون الباطن فهم المعنى الساري في الوجود من تلك الآية المتلوة لا يقتصر بها على ما تدل عليه في الظاهر خاصة فمن تلا هكذا فليس بصاحب سكينة أصلا و لا هو وارث محمدي و إن كان من أمة محمد ص فإن تلا و سكن باطنا و لم يسكن ظاهرا و تعدى الظاهر المشروع فذلك ليس بوارث و لا محمدي و لا بمؤمن و هو أبعد الناس من اللّٰه فإن الروح القدسي أول من يرميه و يرمى به و النبي محمد ص يقول لربه فيه يوم القيامة سحقا سحقا و اللّٰه عند ذلك لا يسعده و لا يساعده و أعظم حسرة تقوم به إذا عاين يوم القيامة من سكن إليه إذا تلاه ظاهرا و باطنا فيرى ما سكن إليه باطنا قد سعد به هذا الآخر و شقي هو به و ما شقي إلا بعدم سكون الظاهر فيفوته خير كثير حين فاته الايمان به فإنه أتى البيت من ظهره لم يأته من بابه جعلنا اللّٰه و إياكم ممن تلا فسكن و في التلوين في تلاوته بحسب الآيات ثبت و تمكن أنه الملي بذلك و القادر عليه وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب التاسع و الثلاثون و أربعمائة في معرفة منازلة قاب قوسين
الثاني الحاصل بالوراثة النبوية للخواص منا»
قاب قوسين لنا من قبلنا
قاب قوسين لمن أسرى به
غير أني وارث مستخدم
و لذا نلناه منه فانتبه