الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٩٣ - إن اللّٰه يأمرنا في القرآن بالتسبيح
الصنهاجى في محاسن المجالس لما ذكر حال العابد و المريد و العارف قال و الحق وراء ذلك كله لا بد من ذلك و إن كان مع ذلك كله أو عين ذلك كله فهو مع ذلك كله بقوله وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ و هو عين ذلك كله بقوله تعالى سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي الْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ و هو من وراء جميع ما ذكره محيط بقوله وَ اللّٰهُ مِنْ وَرٰائِهِمْ مُحِيطٌ و بقوله أَلاٰ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ فمن أراد أن يسبح الحق في هجيره فليسبحه بمعنى قوله وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّٰ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ أي بالثناء الذي أثنى به على نفسه فإنه ما أضافه إلا اللّٰه هكذا هو تسبيح كل ما سوانا فإنا لا نفقة تسبيحهم إلا إذا أعلمنا اللّٰه به و هذا ضد ما تعطيه حقيقة التسبيح بل هذا تسبيح عن التسبيح مثل قولهم التوبة من التوبة فإن التسبيح تنزيه و لا ينزه إلا عن كل نعت محدث يتصف به المخلوق و ما نزل إلينا من اللّٰه نعت في كتاب و لا سنة إلا و هو شرب المخلوق و جعل ذلك تعالى حمد نفسه و ذكر عن كل شيء أنه يسبح بحمده أي بالثناء الذي أنزله من عنده وَ الْمَلاٰئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً فمن سبحه عن هذه المحامد فما سبحه بحمده بل أكذبه و إنما سبحه بعقله و دليله في زعمه و الجمع بين الأمرين أن تسبحه بحمده و هو التنزيه عن التنزيه و ذلك عين الاشتراك في النسبة كعدم العدم الذي هو وجود و إن أرادوا به المبالغة في التنزيه فذلك ليس بحمد اللّٰه بل حمد اللّٰه نفسه بما ذكرناه فإذا سبحه بحمده و هو الإقرار بما ورد من عنده مما أثنى به على نفسه أو مما أنزله عليك في قلبك و جاء به إليك في وجودك مما لم ينقل إليك و اجعل ذلك التسبيح كالصورة و اجعل قوله و الحق وراء ذلك كله كالروح التي لا تشاهد عينها لتلك الصورة و يكفيك من العلم بها مشاهدتك أثرها فإنك تعلم أن وراء تلك الصورة أمرا آخر هو روحها كذلك تعلم أن الحق وراء كل ثناء لك فيه شرب و من المحال أن يكون عندك ثناء على اللّٰه معين في الدنيا و الآخرة لا يكون لك فيه شرب فإنه لا يصح لك أن تثني عليه بما لا تعقله و مهما عقلت شيئا أو علمته كان صفتك و لا بد فلا يصح في الكون على ما تعطيه الحقائق التسبيح الذي يتوهمه علماء الرسوم و إنما يصح التسبيح عن التسبيح ما دام رب و عبد و لا يزال عبد و رب فلا يزال الأمر هكذا فسبح بعد ذلك أو لا تسبح فأنت مسبح شئت أو أبيت و علمت أم جهلت و لو لا ما هو الأمر على هذا في نفسه ما صح أن يظهر في العالم عين شرك و لا مشرك و قد ظهر في الوجود المشرك و الشرك فلا بد له من مستند إلهي عنه ظهر هذا الحكم و ليس إلا ما ذكرنا من أن العبد له شرب في كل ما يسبح به ربه من المحامد و أعلى المحامد بلا خلاف عقلا و شرعا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ثم تمم الآية لنعرف المقصود و يصح أول الآية فقال وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فلو لم يتمم لكان أول الآية يؤذن بأنا لسنا بعبيد و ليس هو لنا بإله فلا بد من رابط و ليس إلا الاشتراك إلا أنه عين الأصل في ذلك و نحن فيه كنسبة الفرع إلى الأصل و الولد إلى الوالد و إن كان على صورته فليس هو عينه فارتبط به فلا ينسب إلا إليه لأن له عليه ولادة و غيره من الناس من أبناء جنسه ما له عليه ولادة فلا يقال إنه ابنه و نسبتنا من وجه مثل هذه النسبة لأن الوجود له و هو الذي استفاد منه المحدث إلا إن النسبة التي ورد بها السمع نسبة العبد إلى السيد و المخلوق إلى الخالق و الرب إلى المربوب و المقدور إلى القادر و المصنوع إلى الصانع فإن نسبة البنوة أبعد النسب لتقلبه في الأطوار بما ليس للأب فيه تعمل و إنما له إلقاء الماء في الرحم عن قصد بنوة و عن لا قصد فبعدت النسبة لذلك كانت النطفة مخلقة و غير مخلقة و لو كان الأمر فيها للأب لكانت تامة أبدا أ لا ترى إلى النسبة القربية في خلق عيسى الطير بيده ثم نفخ فأتم خلقه فقربت نسبة الخلق إليه و كذلك صنائع المخلوقين كلهم فالبنوة من الأبوة أبعد نسبة من جميع الأمور و هي أصح النسب و ما كفر من قال إن المسيح ابن اللّٰه إلا لاقتصاره و كذلك كفر من قال نَحْنُ أَبْنٰاءُ اللّٰهِ وَ أَحِبّٰاؤُهُ لاقتصارهم لأنهم ذكروا نسبة تعم كل ما سوى اللّٰه إن كانت صحيحة فإن لم تكن في نفس الأمر صحيحة فهم و العالم فيها على السواء و لما كان الأمر النسبي في تولد العالم عن اللّٰه و أن وجوده فرع عن الوجود الآلي نبه تعريضا في تصريح لمن فهم الإشارة و قسم العبارة و ذلك بقوله لَوْ أَرٰادَ اللّٰهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً فجوز ذلك و إنما نفي تعلق الإرادة باتخاذ الولد الإرادة لا تتعلق إلا بمعدوم و الأمر وجود فلا تعلق للإرادة فإن المقصود حكم البنوة لا عين الشخص المسمى ابنا ثم تمم فقال لاَصْطَفىٰ مِمّٰا يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ فتدبر هذه الآية إلى تمامها و كذلك قوله تعالى لَوْ أَرَدْنٰا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا إِنْ كُنّٰا فٰاعِلِينَ أي ما كنا فاعلين إن نتخذه من غيرنا لأنه