الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٨٧ - القطب الثاني عشر الذي على قدم شعيب ع
فإنها السورة التي يقرءوها الحق تعالى في الجنة على عباده بلا واسطة و هذا القطب له علوم جمة له البطش و القوة كما قال أبو يزيد البسطامي و قد سمع قارئا يقرأ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ فقال بطشي أشد و كان حاله حال من ينطق بالله فقول اللّٰه عن نفسه أن بطشه شديد على لسان عبده أشد من بطشه بغير لسان عبده ثم بطشه على لسان عبده الطبيعي أشد من بطشه على لسان عبده الإلهي بما لا يتقارب و أكثر علم هذا الإمام في التنزيه و الإحاطة و ليس التنزيه و الإحاطة التي يعلم هو المفهوم المتعارف بل هو تنزيه التنزيه المتعارف و جعله في ذلك علم الإحاطة و ذلك أن تنزيهه عدم المشاركة في الوجود فهو الوجود ليس غيره و المعبر عنه عنده بالعالم إنما هو الاسم الظاهر و هو وجهه فما بطن منه عن ظاهره فهو الاسم الباطن و هو هويته فيظهر له و يغيب عنه و أما الآلام و اللذات فتقابل الأسماء و توافقها و بها تكثرت الصور فإنها التي تشكلت فأدرك بعضها بعضا فكان محيطا بها منزها عنها فله الستر عنها و التجلي فيها فتختلف عليه الصور فينكر حاله مع علمه أنه هو و هو ما تسمعه من قول الإنسان عن نفسه إني في هذا الزمان أنكر نفسي فإنها تغيرت علي و ما كنت أعرف نفسي هكذا و هو هو ليس غيره فمن حيث تشكل الأسماء له الإمكان و من حيث العين القابلة لاختلاف الصور الأسمائية عليها له الوجوب فهو الواجب الممكن و المكان و المتمكن المنعوت بالحدوث و القدم كما نعت كلامه العزيز بالحدوث مع اتصافه بالقدم فقال مٰا يَأْتِيهِمْ الضمير يعود على صور الأسماء إلا الرب مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ فنعته بالحدوث فهو حادث عند صورة الرحمن و ما يأتيهم الضمير مثل الأول إلا الرحمن من ذكر من الرحمن محدث فنعته بالحدوث فهو حادث عند صورة الرب فإن تقدم إتيان ذكر الرب كان ذكر الرحمن جوابه و إن تقدم ذكر الرحمن كان ذكر الرب جوابه فالمتقدم أبدا من الذكرين قرآن و الثاني فرقان ف لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ للمتقدم منهما و هو القرآن وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ للآخر منهما و هو الفرقان ف هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ كما هو اَلظّٰاهِرُ وَ الْبٰاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ و ليس إلا قبول صور الأسماء و كل للاحاطة فانحصر الأمر فيه فما قال كن إلا له و لا كنى بيكون إلا عنه أ لا تراه تسمى بالدهر و أنه يقلب الليل و النهار و ليس الدهر غير الليل و النهار و ليس التقليب سوى اختلاف الصور فالأيام و الساعات و الشهور و الأعوام هي عين الدهر و في الدهر وقع التفصيل بما ذكرناه فمن وجه هو ساعة و من وجه هو يوم و ليل و نهار و جمعة و شهر و سنة و فصول و دور
فكل خير هو له و كل شر ليس له
فهو الوجود كله و فقده ما هو له
يعلمه من علمه يجهله من جهله
فإنما أنابه في كل أحوالي و له
فأنت هو ما أنت هو و أنت له ما أنت له
و لو صنعت صنعه و لو عملت عمله
فهذا من بعض أنفاس علم هذا القطب و هكذا مجراه في علومه كلها على كثرتها و تفاصيلها
[القطب الثاني عشر الذي على قدم شعيب ع]
(و أما القطب الثاني عشر) الذي على قدم شعيب ع فسورته من القرآن سورة تَبٰارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ و هي التي تجادل عن قارئها و منازله بعدد آيها انظر في جدالها في قوله مٰا تَرىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمٰنِ مِنْ تَفٰاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ ... كَرَّتَيْنِ ينبه على النظر في المقدمتين هَلْ تَرىٰ مِنْ فُطُورٍ يعني خللا يكون منه الدخل فيما يقيمه من الدليل يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ و هو النظر خٰاسِئاً بعيدا عن النفوذ فيه بدخل أو شبهه وَ هُوَ حَسِيرٌ أي قد عيي أي أدركه العياء و كل آية في هذه السورة فإنها تجري على هذا النسق إلى أن ختم بقوله قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مٰاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمٰاءٍ مَعِينٍ أ لا ترى الوجود كله من غير تعليم هل تراه في حال اضطراره يلجأ إلى غير اللّٰه ما يلجأ إلا إلى اللّٰه بالذات فلو كان غيرا ما عرفه حتى يلجأ و هو قول العامة فيمن رزئ مالك لما ترجع في رزيتك إلا إلى الصبر و الصبر ليس إلا صفة الصابر فتسمى أيضا بالصبور يقول أنا هو ما ثم غيري و هذا عين ما ادعاه في علمه القطب الذي على قدم صالح صلى اللّٰه على نبينا محمد و عليه و سلم
فيا شعيب ما ثم عيب لكنه شاهد و غيب
فانظر إلى حكمة و فصل الخطاب فيها ما فيه ريب
و لهذا القطب علم البراهين و موازين العلوم و معرفة الحدود كله روح مجرد لطيفة حاكم على الطبيعة مؤيد للشريعة