الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤٧٦ - (وصية)
عن الحد و المقدار فإنه رحم أقرب جار إليه و هي نفسه و رحم صورة خلقها اللّٰه على صورته فجمع بين الحسنيين مراعاة قرب الجوار و مراعاة الصورة و أي جار سوى نفسه فهو أبعد منها و لذلك أمر الداعي إذا دعا أن يبدأ بنفسه أولا مراعاة لحقها و السر الآخر أن الداعي لغيره يحصل في نفسه افتقار غيره إليه و يذهل عن افتقاره فربما يدخله زهو و عجب بنفسه لذاك و هو داء عظيم فأمره رسول اللّٰه ص أن يبدأ لنفسه بالدعاء فتحصل له صفة الافتقار في حق نفسه فتزيل عنه صفة الافتقار صفة العجب و المنة على الغير و في أثر ذلك يدعو للغير على افتقار و طهارة فلهذا ينبغي للعبد أن يبدأ بنفسه في الدعاء ثم يدعو لغيره فإنه أقرب إلى الإجابة لأنه أخلص في الاضطرار و العبودية و مثل هذا النظر مغفول عنه لا أحد أعظم من الوالدين و أكبر بعد الرسل حقا منهما على المؤمن و مع هذا أمر الداعي أن يقدم في الدعاء نفسه على والديه فقال نوح ع رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوٰالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنٰاتِ و قال الخليل إبراهيم ع في دعائه وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ فقدم نفسه رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاٰةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوٰالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسٰابُ فبدأ بنفسه و قال أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّٰهُ فَبِهُدٰاهُمُ اقْتَدِهْ و إنما أوصيتك بالأذان لما فيه عند اللّٰه يوم القيامة فإن المؤذنين أطول الناس أعناقا في ذلك اليوم يقول تمتد أعناقهم دون الناس لينظروا ما أثابهم اللّٰه به و ما أعطاهم من الجزاء على أذانهم هذا إن كان من الطول فإن كان من الطول الذي هو الفضل و العنق الجماعة فهم أفضل الناس جماعة و من رواه بكسر الهمزة فهو أفضلهم سيرا لما يرونه من الخير الذي لهم على الأذان فإن المؤذن يحافظ على الأوقات فهو يسرع إلى الإعلام بدخول وقت الصلاة فإنه مراع ذلك
(وصية)
و إن كنت واليا فاقض بالحق بين الناس وَ لاٰ تَتَّبِعِ الْهَوىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ و سبيل اللّٰه هو ما شرعه لعباده في كتبه و على ألسنة رسله اَلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ لَهُمْ عَذٰابٌ شَدِيدٌ بِمٰا نَسُوا يَوْمَ الْحِسٰابِ يعني به و اللّٰه أعلم يوم الدنيا حيث لم يحاسبوا نفوسهم فيه فإن النسيان الترك
يقول رسول اللّٰه ص حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و لقد أشهدني اللّٰه في هذا مشهدا عظيما بإشبيلية سنة ست و ثمانين و خمسمائة و يوم الدنيا أيضا هو يوم الدين أي يوم الجزاء لما فيه من إقامة الحدود لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ و هذا عين الجزاء و هو أحسن في حق العبد المذنب من جزاء الآخرة لأن جزاء الدنيا مذكر و هو يوم عمل و الآخرة ليست كذلك و لهذا قال في الدنيا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يعني إلى اللّٰه بالتوبة فيوم الجزاء أيضا يوم الدنيا كما هو يوم الآخرة و هو في يوم الدنيا أنفع فاقض بالحق فإن اللّٰه قد قضى في الدنيا بالحق بما شرعه لعباده و في الآخرة بما قال فإن القضاة في الدنيا ثلاث واحد في الجنة و اثنان في النار و الذي أوصيك به إذا فتح اللّٰه عين بصيرتك و رزقك الرجوع إليه المسمى توبة فانظر أي حالة أنت عليها من الخير لا تزل عنها إن كنت واليا أثبت على ولايتك و إن كنت عزبا أثبت على ذلك و إن كنت ذا زوجة فلا تطلق و اثبت على ذلك مع أهلك و اشرع في العمل بتقوى اللّٰه في الحالة التي أنت عليها من الخير كانت ما كانت فإن لله في كل حال باب قربة إليه تعالى فاقرع ذلك الباب يفتح لك و لا تحرم نفسك خيره و أقل الأحوال إنك في الحال التي كنت عليها في زمان مخالفتك إذا ثبت عليها عند توبتك تحمدك تلك الحالة فإن فارقتها كانت عليك لا لك فإنها ما رأت منك خيرا و هذا معنى دقيق لطيف لا ينتبه له كل أحد فإنها لا تشهد لك إلا بما رأته منك فإذا رأت منك خيرا شهدت لك به و لا يفوتك ما ذكرته لك من نيل ما فيها من الخير المشروع و أعني بذلك كل حال أنت عليها من المباحات فإن توبتك إنما كان رجوعك عن المخالفات و إياك أن تتحرك بحركة إلا و أنت تنوي فيها قربة إلى اللّٰه حتى المباح إذا كنت في أمر مباح فانو فيه القربة إلى اللّٰه من حيث إيمانك به أنه مباح و لذلك أتيته فتؤجر فيه و لا بد حتى المعصية إذا أتيتها انو المعصية فيها فتؤجر على الايمان بها إنها معصية و لذلك لا تخلص معصية المؤمن أبدا من غير أن يخالطها عمل صالح و هو الايمان بكونها معصية و هم من الذين قال اللّٰه فيهم وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صٰالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً فهذا معنى المخالطة فالعمل الصالح هنا الايمان بالعمل الآخر السيئ أنه سيئ و عسى من اللّٰه واجبة فترجع عليهم بالرحمة