الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤٦٧ - أن كل من نصر دين اللّٰه في أي زمان كان فهو من الأنصار
فأما قوله أنقى فلارتفاعه عن القاذورات التي تكون في الطرق و النجاسات و أما قوله أبقى فإن الثوب إذا طال حك في الأرض بالمشي فيسارع إليه التقطيع فيقل عمر الثوب فإنه يخلق بالعجلة إذا طال بما يصيب الأرض منه و أما قوله أتقى فإنه مشروع أعني تقصير الثوب إلى نصف الساق و المتقي من جعل الشرع له وقاية و جنة يتقي به ما يؤذيه من شياطين الإنس و الجن و إن اللّٰه لا ينظر لمن يجر ثوبه خيلاء و إياك أن تسأل الناس تكثرا و عندك ما يغنيك في حال سؤلك فإن المسألة خدوش أو خموش في وجهك يوم القيامة فإذا اضطررت و لم تقدر على شغل فسل قوتك لا تتعداه إذا لم يرزقك اللّٰه يقينا و ثقة به و كفارة ذلك السؤال عدم تكثرك و اقتصارك في المسألة على بلغة وقتك فإن مسألة المؤمن حرق النار و معنى ذلك أن المؤمن يجد عند سؤاله مخلوقا مثله في دفع ضرورته مثل حرق النار في قلبه من الحياء في ذلك حيث لم ينزل مسألته و دفع ضرورته بربه الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ و هو الذي يسخر له هذا السؤال منه حتى يعطيه و من وجد ذلك تعززا و تكبرا حيث التجأ إلى مخلوق مثله فذلك من شرف همته من حيث لا يشعر و شرف الهمة أحسن من دناءة الهمة فإن العبد يتعزز على عبد مثله كما إن فخره و شرفه في فقره إلى سيده و سؤاله في دفع ضروراته و ملماته و قضاء مهماته
(وصية)
إذا رأيت أنصار يا أو أنصارية و إن كان عدوا لك فلتحبه الحب الشديد و احذر أن تبغضه فتخرج من الايمان
فإن النبي ص لقي امرأة من الأنصار في طريقه فقال لها إنكم لمن أحب خلق اللّٰه إلي و
ثبت عن رسول اللّٰه ص أنه قال آية الايمان حب الأنصار و آية النفاق بغض الأنصار
[أن كل من نصر دين اللّٰه في أي زمان كان فهو من الأنصار]
و اعلم أن كل من نصر دين اللّٰه في أي زمان كان فهو من الأنصار و هو داخل في حكم هذا الحديث و اعلم أن الأنصار لدين اللّٰه رجلان الواحد نصر دين اللّٰه ابتداء من نفسه من غير إن يعرف وجوب ذلك عليه و رجل عرف نصرة الدين عليه بقوله يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصٰارَ اللّٰهِ فأمرهم بنصرة اللّٰه فادى واجبا في نصرته فله أجر النصرة و أجر أداء الواجب بما نواه من امتثال أمر اللّٰه في ذلك و تعين عليه و لو كفاه غيره مئونة ذلك فلا يتأخر عن أمر اللّٰه و نصرة اللّٰه قد تكون بما يعطي من العلم المظهر للحق الدافع للباطل فهو جهاد معنوي محسوس فكونه معنويا لأن الباطن يقبله فإن العلم متعلقة النفس و أما كونه محسوسا فما يتعلق بذلك من العبارة عنه باللسان أو الكتابة فيحصل للسامع أو الناظر بطريق السمع من المتكلم أو بطريق النظر من الكتابة و جهاد العدو نصرة محسوسة ما هي معنوية فإنه ما نال العدو من المقاتل له شيئا في الباطن برده عن اعتقاده كما ناله من العالم إذا علمه و أصغى إليه و و فقه اللّٰه للقبول و فتح عين فهمه لما يورده عليه العالم في تعليمه و هي أعظم نصرة و هو أعظم أنصاري لله
يقول النبي ص لأن يهدي اللّٰه بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس و قد طلعت الشمس على كل عالم عامل بخير فأنت خير منه إذا نصرت بتعليم العلم دين اللّٰه في نفس هذا المخاطب و عليك بصدق الحديث و أداء الأمانة و صدق الوعد فاجتنب الكذب و الخيانة و خلف الوعد و إذا خاصمت أحدا فلا تفجر عليه
فإن علامة المنافق و آيته إذا حدث كذب و إذا وعد أخلف و إذا اؤتمن خان و إذا خاصم فجر و أعظم الخيانة أن تحدث أخاك بحديث يرى أنك صادق فيه و أنت على غير ذلك و إن الإنسان إذا كذب الكذبة تباعد منه الملك ثلاثين ميلا من نتن ما جاء به و كذلك الشيطان إذ أمر ابن آدم بالمعصية فعصى تبرأ منه الشيطان خوفا من اللّٰه تعالى فاعمل على ذوق هذه الروائح المعنوية و استنشاقها فإن له حجبا على أنفك تمنعك من إدراك أنتن ذلك فلا يكن الشيطان مع كفره أدرك للأمور و أخوف من اللّٰه منك و اعتبر في تبريه من ذلك فإنها خميرة من اللّٰه في قلبه إلى زمان ما يظهر حكمها فيه مع كونه مجبولا على الإغواء كما هو مجبول على التبري و الخوف من اللّٰه أخبر اللّٰه عنه أنه يقول لِلْإِنْسٰانِ اكْفُرْ فإذا كفر يقول الشيطان إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخٰافُ اللّٰهَ رَبَّ الْعٰالَمِينَ فما أخذ الشيطان قط يعلمه لشرف علمه و إنما يؤخذ لصدق الحق فيما قاله فيما شرعه فيمن سن سنة سيئة فله وزرها و وزر من عمل بها فالشيطان يوم القيامة يحمل أثقال غيره فإنه في كل إغواء يتوب عقيبه ثم يشرع في إغواء آخر فيؤخذ بعمل غيره لأنه من وسوسته و الإنسان الذي لا يتوب إذا سن سنة سيئة يحمل ثقلها و أثقال من عمل بها فيكون الشيطان أسعد حالا منه بكثير و إياك أن تخلف وعدك و لتخلف