الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٨٩ - الجنين في كبد إلى أن يولد
لجهله بالعين و ما فاز أهل اللّٰه إلا بشهوده لا بوجوده العلم كله واحد و إن اختلفت المأخذ و تنوعت المقاصد علم الحق من شاء من عباده من لدنه علما و آتاه رحمة من عنده فأعطته الرحمة حكما فتوسط الثبج و تحكم في المهج فأنكر عليه التابع فحل ما ربط و أزال ما اشترط فجهل منصبه و لم يعرف نسبه نعم علم ما به حيي لكن نسي فنسي فمنازل الأفراد في خرق المعتاد فأمورهم خارجة عن إحكام الرسل و حائده عما شرعوه من السبل و هم في السبل كالخضر و موسى الكليم و قول هود ع إِنَّ رَبِّي عَلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ
[غلق الصدور في الصدور]
و من ذلك غلق الصدور في الصدور من الباب ٢٩٨ لو لا الصدور ما عميت اَلْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ و يحق لها أن تعمي لأنها مأمورة بفك المعمى و قيدت بالأجل المسمى كانت في حضرة سارحة و الأمور عندها واضحة أعطاها ذلك الورود على الوجود فقال لها الحق بضاعتك ردت إليك و ما نزلت إلا بك عليك هذه منحك التي أعطيتنيها و علومك التي خولتنيها فما أعماك سواك و أنا المنزه عن هذا و ذاك أنا الغني عن عينك و أنت الفقير إلي في كونك فلما صدرت عني بكونك و لم تشهدني في عينك عميت في صدورك عمن أوجدك و لو أشهدك فإن شهود الحق لا ينضبط مع أنه مع العالم مرتبط و هذه المسألة من أغمض المسائل على السائل لا بظهوره في كوني و لا بغناه عن عيني فعلى ما تعول فيه
[يبدي الأسرار صدر النهار]
و من ذلك يبدي الأسرار صدر النهار من الباب ٢٩٩ صدور المجالس حيث كان الرؤساء و الرئيس الكبير من تحكم بأحوالها عليه الجلساء فهو و إن كان معدن النفوس الرئيس المرءوس أ لا ترى إلى الحق ما له تصرف إلا في شئون الخلق فيؤتى الملك من يشاء و ينزع الملك ممن يشاء و يعز من يشاء و يذل من يشاء فيتخيل إن المشيئة هنا ضميرها الرحمن و ما ضميرها إلا من و هو عين الأكوان لأنا قد قررنا فيما مضى أن الذي كانوا عليه في ثبوتهم هو عين القضاء فالكون أعطاه العزل و الولاية و العز و الذل و الرشد و الغواية فحكم عليه بما أعطاه فما قسط و لا جار فإنه نعم الحاكم و الجار للحاكم التقاضي و الحكم للماضي في الخصم للخصم لا للقاضي فالخصم في التحقيق عين القاضي فافهم
[النيل لأهل الليل]
و من ذلك النيل لأهل الليل من الباب ٣٠٠ ما ظهرت قدرة الحي القيوم إلا في إنشاء الجسوم و ما ثم إلا رسم فما ثم إلا جسم لكن الأجسام مختلفة النظام فمنها الأرواح اللطائف و منها الأشباح الكثائف و ما عدا الحق الذي هو المنهاج فهو امتزاج و أمشاج و الصفات و الأعراض توابع لهذا الجسم الجامع فإنه مركب و المركب مركب و من أراد العلم بصورة الحال فليحقق علم الخيال فيه ظهرت القدرة و هو الذي أنار بدره فلا ينقلب إلا في الصور و لا يظهر إلا في مقام البشر و لست أعني بالبشر الأناسي فإني كنت أشهد على نفسي بإفلاسي و أنا عالم زماني لعلمي بالأواني فما ثم إلا وعاء و آنية ملا فتدبر تتبصر
[الهمس في مراعاة الشمس]
و من ذلك الهمس في مراعاة الشمس من الباب ٣٠١ خَشَعَتِ الْأَصْوٰاتُ لِلرَّحْمٰنِ فَلاٰ تَسْمَعُ إِلاّٰ هَمْساً لما دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا و بُسَّتِ الْجِبٰالُ بَسًّا ف إِذٰا قُرِئَ الْقُرْآنُ المبين فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فإنه ما جاء بالكلام إلا للافهام فإذا خالج السامع القاري في قراءاته فقد شهد من الفهم براءته و أساء الأدب فأسخط اللّٰه فغضب و من غضب اللّٰه عليه فقد عطب
يقول ص أيكم خالجنيها و ما لي أنازع القرآن و أي برهان أعظم من هذا البرهان الرسول حاز الآداب و جاء بالكتاب و خاطب أولي الألباب و ما خص أعداء من أحباب بل عم الخطاب فمنا من أصاب و منا المصاب كل من علم ما لم يعلم فهو ملهم فالوحي شامل ينزل على الناقص و الكامل أيسره اللمة و ما هم به مما أهمه
[الجنين في كبد إلى أن يولد]
و من ذلك الجنين في كبد إلى أن يولد من الباب ٣٠٢ الجنين في ظلمة غمه ما دام في بطن أمه يتحكم فيه من طعن في أبيه خدمه و أقامه حرمه ليجبر بذلك صدع ما وقع منه فيعفو من بغي عليه عنه و مع أنه في المقام الأوسع فما أودع فيه سوى أربع لأنه مركب من أربع فأودعه الرزق و الأجل و الرتبة و العمل كل قسم لواحد من أخلاطه أقامه لفسطاطه فلما علم الجنين أنه محل كل زوج بهيج و أنه في أمر مريج أراد الخروج بطلب الصعود و العروج فأخرجه على الفطرة التي كان عليها أول مرة من قبل أن يقذف في الرحم لما عصم و رحم فجعل لَهُ عَيْنَيْنِ وَ لِسٰاناً وَ شَفَتَيْنِ و هداه النجدين و عرف لما خلق