الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٣٠ - سر الأوتاد و الأبدال و تشبيههم بالجبال
و من لا أين إلى لا أين فبين من و إلى ظهر الملآن الأسفل و الأعلى فالعرش حامل محمول و الأمر فاصل مفصول و العالم فاضل مفضول و الفرش مهاد موضوع و مباح غير ممنوع يحكم فيه الطبع و إن قيده الشرع و لو لا العين ما ظهر للتقييد حكم في الكون فلو زالت الحدود لزال التقييد و لا سبيل إلى زوالها فإن بقاها عين كمالها بها صحت المناضلة و بانت المفاضلة العرش فرش لمن استوى عليه و الأمر منه بدأ ثم يعود إليه من غير رجوع على عقبه بل هو على ذهابه في مذهبه ما ثم غاية فيرجع و لا لإحاطته نهاية فيتصدع و ليس وراء اللّٰه مرمى و هو الأول عند البصير و الأعمى فالكل يقول بالابتداء و افترقوا في إثبات الانتهاء فمنهم و منهم و كل ذلك منقول عنهم
[سر النبوتين و ما لهما من العين]
و من ذلك سر النبوتين و ما لهما من العين من الباب الرابع عشر لما انقطع أنباء التشريع بقي الإنباء الرفيع فإنه يعم الجميع هو ميراث الأولياء من الأنبياء فلهم اللمحات و الأنفاس و النفحات الاجتهاد شرع حادث و به تسمى الحارث بالحارث الاجتهاد شرع مأذون فيه لإمام يصطفيه لا يزال البعث ما بقي الورث و هذا المال الموروث لا ينقص بالإنفاق بل سوقه أبدا في نفاق فمثله كمثل المصباح الذي لا يعقبه صباح للشمس ظهور في السورتين بالصورتين فهي بالقمر نور و بذاتها ضياء و بحالتيها يتعين الصباح و المساء فتخفى نفسها بنفسها إذا أطلعت القمر نهارا فهي الداعية سرا و جهارا و لبعث الكون بالليل الأليلي الداجي ثبت للشمس اسم السراج فنبوة الوارث قمرية و نبوة النبي و الرسول شمسية فاجتمعتا في النبوة و فاز القمر بالفتوة
فالشمس طالعة بالليل في القمر مع الغروب و ما للعين من خبر
عجبت من صورة تعطيك في صور ما عندها مثل نور العين بالبصر
فطاعة الرسل من طاعات مرسلهم و ما لعين رسول اللّٰه من أثر
إن قال قال به لا بالهوى فلذا يعصى الإله الذي يعصيه فادكر
[ك سر إطفاء النبراس بالأنفاس]
و من ذلك سر إطفاء النبراس بالأنفاس من الباب ١٥ لما كان القائل له مزاج الانفعال كان للنفس الإطفاء و الإشعال فإن أطفأ أمات و إن أشعل أحيا فهو الذي أَضْحَكَ وَ أَبْكىٰ فينسب الفعل إليه و القابل لا يعول عليه و ذلك لعدم الإنصاف في تحقيق الأوصاف مع علمنا بأن الاشتراك معقول في الأصول للقابل الإعانة و لا يطلب منه الاستعانة فهو المجهول المعلوم عليه صاحب الذوق يحوم و حكمه في المحدث و القديم يظهر ذلك في إجابة السائل و هذا معنى قولنا القابل لو لا نفس الرحمن ما ظهرت الأعيان و لو لا قبول الأعيان ما اتصفت بالكيان و لا كان ما كان الصبح إذا تنفس أذهب الليل الذي كان عسعس
فلو لا الليل ما كان النهار
و لو لا النور ما وجد النفار
نفرت الظلم لأكوانها لا لأعيانها فإن العين لا تذهب و إن اختلفت عليها الأحوال فسجود الظلال بِالْغُدُوِّ وَ الْآصٰالِ سجود شكر و اعتصام من استدراج إلهي و مكر
[سر الأوتاد و الأبدال و تشبيههم بالجبال]
و من ذلك سر الأوتاد و الأبدال و تشبيههم بالجبال من الباب ١٧ أرواح الأبدال أعيان الأملاك من نيرات السبعة الأفلاك و قطعهم فلك البروج ما يتصفون به في المقامات من العروج و حلولهم بالمنازل ما يستقبلونه من النوازل و لذلك قسم عليهم الوجود بالنحوس و السعود فعزل و ولاية و إملاق و كفاية و الأوتاد مسكنة لكونها متمكنة فلها الرسوخ و الشموخ و مع هذه العزة و المنع و قوة الردع و الدفع فلا بد من صيرورتها عنها منفوشا و هبا منبثا مفروشا فتلحق بالأرض لاندكاكها و تؤثر فيها حركات أفلاكها من أعجب علوم الرجال ما لم يسم فاعله مثل رج الأرض و بس الجبال و هما دليلان على وقوع الواقعة التي لَيْسَ لِوَقْعَتِهٰا كٰاذِبَةٌ خٰافِضَةٌ رٰافِعَةٌ أول علم حصل للعالم بالله علم السماع بالإيقاع من اللّٰه فقال كُنْ لمعدوم لم يكن فظهر عين الأوزان في الميزان و ليس سوى الإنسان فظهر بصورة الحق و نزل عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ و كانت الإمامة علامة و الخلافة ضيافة فبعلم الأسماء حاز ملك الأرض و السماء و بجوامع الكلم أحاط علما بالحكم فهو الحكيم المحيط بما يستحقه المركب و البسيط فساح في الانفساح وصال بالاتصال فأخذ الوجد في الإيجاد و تحرك عن موطن ثبوته