الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٩ - أنه لا مخلص من المقامات إلا وارث محمد ص الذي آتاه اللّٰه جوامع الكلم
إلا هو و لم يتميز عنه شيء لأنك ما فرضت موجود إلا هو خاصة و لا مقام له يتميز به عن غيره إذ لا غير هناك فإن يده متميزة عن رجله و رأسه متميز عن صدره و أذنه عن عينه و كل جارحة متميزة عن غيرها من الجوارح و كل قوة منه في باطنه لها حكم ليس للأخرى و محل ليس للآخر فتميزت الصور في عين واحدة لا تميز فيها و لا مقام لها فنحن له كالأعضاء للواحد منا و القوي فما ثم عمن نتميز و لا يتميز عنا و لكن تميزنا بعضنا عن بعض كما قررنا و لا تنسب الأحكام و المقامات لأعضائنا و إنما ينسب ذلك كله إلينا فيقال بطش فلان بفلان و مشى فلان إلى فلان و سمع فلان كلام فلان و رأى فلان فلانا ما ينسب شيء من هذا كله إلى آلة و لا إلى قوة و لا إلى عضو ف إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ف لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
[أنه لا مخلص من المقامات إلا وارث محمد ص الذي آتاه اللّٰه جوامع الكلم]
فاعلم أنه لا يخلص من المقامات إلا وارث محمد ص الذي آتاه اللّٰه جوامع الكلم و علم الأسماء كلها و علم الأولين و الآخرين فكل الصيد في جوف الفرا فما ثم عمن نتميز فإن العالم كله في وارث محمد ص كما هو في محمد ص فقد خلص من حكم المقامات عليه فهو يحكم بها بحسب ما تعطيه الأحوال فإنه العليم الحكيم فالأسماء الإلهية كلها هي تظهر المقامات و بها يحكم الحاكم و لا حاكم إلا اللّٰه و ما يبدل القول لديه فالقول له الحكم فبالقول يحكم الحق فتنبه لمن هو المحكوم عليه و المحكوم به و المحكوم فيه و الحاكم تعرف من هو المخلص من المقامات و الذي لا مقام له و أما المقام المحمود و هو المقام المثنى عليه الذي أثنى عليه اللّٰه الذي يقيم الحق فيه سبحانه محمدا ص فهو مقام شفاعة رسول اللّٰه ص في الشافعين أن يشفعوا يوم القيامة من ملك و رسول و نبي و ولي و مؤمن و أن يخرج الحق من النار أو يدخل الجنة من لم يعمل خيرا قط حتى لا يبقى في النار إلا أهلها الذين هم أهلها فيبقيهم اللّٰه فيها على صفة و مزاج لو أخرجهم اللّٰه بذلك المزاج إلى الجنة لتعذبوا و أضر بهم دخولها كما تضر رياح الورد بالجعل فيجيبه اللّٰه لما سأل فيه و إذا زاد سبب ظهور أمر على واحد فهو شفاعة سواء كان شفعا أو وترا لا بد أن يكون زائدا على واحد و أما الأحوال فلا سبيل إلى التخلص منها و هي فينا موهوبة و هي للحق ذاتية
فالحكم للحال و الأحوال حاكمة و ليس في الكون إلا اللّٰه و البشر
و نحن في عبرة لو كنت تعقلها فكل شيء سوى الرحمن يعتبر
نحن النجوم التي في الغرب موقعها و ليس يظهر إلا الشمس و القمر
الطمس فينا و ذاك الطمس ينفعنا و ليس يدريه إلا من له نظر
فلا تخف فسوى الرحمن ليس له عين و ليس له التحكيم و الأثر
إليه يرجع أمر الخلق كلهم حتى القضاء و حتى الحكم و القدر
و هو الوجود الذي ما عنده ضرر و الشر ليس له في خلقه أثر
فالشر ليس إليه جل خالقنا عنه بذا جاء عن إرساله الخبر
من عرف الضلالة و الهدى لم يطل عليه المدى و علم إن اللّٰه لا يترك خلقه سدى كما لم يتركه ابتداء و إن لم ينزله منازل السعداء فإن اللّٰه برحمته التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ لا يسرمد عليه الرداء و كيف يسرمده و هو عين الرداء فهو في مقام الفداء و إشارة سهام العداء فله الرحمة آخرا خالدا مخلدا فيها أبدا و اللّٰه تعالى يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الأحد و العشرون و أربعمائة في معرفة منازلة
من طلب الوصول إلي بالدليل و البرهان
لم يصل إلي أبدا فإنه لا يشبهني شيء »
توحيد ربك لا عن كشف برهان
فكر فوحدته لا تقبل الثاني
و كل من يقبل الثاني فمتصف
في حكمه بزيادات و نقصان
و ذاك واحد أعداد فيقبله
و واحد العين لا يدري ببرهان
من يقبل المثل قد حارت خواطرنا
فيه و هل رىء سر عين إعلان
إن الدليل على التركيب نشأته
فكيف يعطي وحيد العين في الشأن