الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٧٩ - إن الحق عين الوجود
و غير ذلك من المطاعم و الماء من حيث هويته على صفة واحدة من الطيب و الطعم فانظر إلى ما أثرت فيه البقعة كذلك هي الأرواح المنفوخة في الأجسام من أصل مقدس نقي فإن كان المحل طيب المزاج زاد الروح طيبا و إن كان غير طيب خبثه و صيره بحكم مزاجه فرسل اللّٰه الذين هم خلفاؤه أطهر الناس محلا فهم المعصومون فما زادوا الطيب إلا طيبا و ما عداهم من الخلفاء منهم من يلحق بهم و هم الورثة في الحال و الفعل و القول و منهم من يختل بعض اختلال و هم العصاة و منهم من يكثر منه ذلك الاختلال و هم المنافقون و منهم المنازع و المحارب و هم الكفار و المشركون فيبعث اللّٰه إليهم الرسل ليعذروا من نفوسهم إذا عاقبهم بخروجهم عليه و استنادهم إلى غيره الذي أقاموه إلها فيهم من أنفسهم و كذبوا عليهم في جعلهم إياهم آلهة و الإله لا يكون بالجعل و لكن ما حملهم على ذلك إلا أصل صحيح و هو أنهم رأوا اختلاف المقالات في اللّٰه مع الاجتماع على أحديته و أنه واحد لا إله إلا هو ثم اختلفوا فيما هو هذا الإله فقال كل صاحب نظر بما أداه إليه نظره فتقرر عنده أن الإله هو الذي له هذا الحكم و ما علم أن ذلك عين جعله فما عبد إلا إلها خلقه في نفسه و اعتقده سماه اعتقادا و اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا و الشيء الواحد لا يختلف في نفسه فلا بد أن يكون هو في نفسه على إحدى هذه المقالات أو خارجا عنها كلها و لما كان الأمر بهذه المثابة أثر و هان عليهم اتخاذ الأحجار و الأشجار و الكواكب و الحيوانات و أمثال ذلك من المخلوقات آلهة كل طائفة بما غلب عليها كما فعل أهل المقالات في اللّٰه سواء فمن هذا الأصل كان المدد لهم و هم لا يشعرون فما ترى أحدا يعبد إلها غير مجعول فيخلق الإنسان في نفسه ما يعبده و ما يحكم عليه و اللّٰه هو الحاكم لا ينضبط للعقل و لا يتحكم له بل له الأمر في خلقه من قبل و من بعد لا إله إلا هو إله كل شيء و مليكه و هذا كله من الاسم الباعث فهو الذي بعث إلى بواطنهم رسل الأفكار بما نطقوا به و اعتقدوه في اللّٰه كما أنه بعث إلى ظاهرهم الرسل المعروفين بالأنبياء و النبوة و الرسالة فالعاقل من ترك ما عنده في اللّٰه تعالى لما جاءوا به من عبد اللّٰه في اللّٰه فإن وافقوا ما جاءت به رسل الأفكار إلى بواطنهم كان و شكروا اللّٰه على الموافقة و إن ظهر الخلاف فعليك باتباع رسول الظاهر و إياك و غائلة رسل الباطن تسعد إن شاء اللّٰه و هذا نصيحة مني إلى كل قابل ذي عقل سليم وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الحق حضرة الاسم الحق»
الحق بالحق أفنيه و أثبته
فالحق ما بين إعدام و إثبات
لو لا الوجود و لو لا سر حكمته
ما كان يعبد في العزى و في اللات
إن الأمور التي بها يقيدني
بها يسر حتى في الحال و الآتي
إن الذي قد مضى إلى مرجعه
لما لديه من أمراض و آفات
و اللّٰه لو علمت نفسي بمن كلفت
ما كنت أفرح بالفاني إذا يأتي
[إن الحق عين الوجود]
يدعى صاحبها عبد الحق قال تعالى فَمٰا ذٰا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاٰلُ و ليس إلا الخلق و الضلال الحيرة و بالخلق ظهر حكم الضلال
فعين وجود الحق نور محقق و عين وجود الخلق ظل له تبع
فالحق عين الوجود و الخلق قيده بالإطلاق فالخلق قيد مقيد فلا حكم الإله و به و الحق الحاكم و لا يحكم إلا بالحق فحق الحق عين الخلق فإني تصرفون و الأمر كما قلناه و ما سمي خلقا إلا بما يخلق منه فالخلق جديد و فيه حقيقة الاختلاق لأنك تنظر إليه من وجه فتقول هو حق و تنظر إليه من وجه فتقول هو خلق و هو في نفسه لا حق و لا غير حق فإطلاق الحق عليه و الخلق كأنه اختلاق فغلب عليه هذا الحكم فسمي خلقا و انفرد الحق باسم الحق إذ كان له وجوب الوجود بنفسه و كان للخلق وجوب الوجود به لا أقول بغيره فإن الغير ما له عين و إن كان له حكم كالنسب لا عين لها و لها الحكم فبالحق خلق السماء و الأرض و بالحق أنزل القرآن وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ و للحق نزل ففي الخلق أتاه الخلق لأنه ليل سلخ منه النهار فَإِذٰا هُمْ مُظْلِمُونَ حيارى تايهون ما لهم نور يهتدون به كما جعل اللّٰه النجوم لمن يهتدي بها فِي ظُلُمٰاتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ و هو نظر العامة و الخواص فِي ظُلُمٰاتٍ لاٰ يُبْصِرُونَ ... صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاٰ يَعْقِلُونَ تارة يقولون
نحن نحن و هو هو و تارة يقولون