الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٧٥ - إن الشافي أزال المرض
«الشافي حضرة الشفاء»
إن الشفاء إزالة الآلام
تعنو له الأرواح و الأجسام
هذا هو الحق الذي قلنا به
دلت عليه السادة الأعلام
و الشرع يعضده لذا جئنا به
و كذلك الألباب و الأحلام
إني عليل و لا شخص يخبرني
عنه تعالى بنا بأنه الشافي
إني سعيت و عين الحق تحفظني
و لست أدري بها في عين إتلافي
إني وفيت له بعهده زمنا
و ما يعرفني بأنه الوافي
الحق يثبتني في كل طائفة
حبا و يظهر لي في صورة النافي
لكل شخص من القرآن سورته
و سورتي عند ما أتلو لإيلاف
[إن الشافي أزال المرض]
يدعى صاحبها عبد الشافي يقول اللّٰه عن خليله إبراهيم ع إنه قال وَ إِذٰا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ فالشافي مزيل الأمراض و معطي الأغراض فإن الأمراض إنما تظهر أعيانها لعدم ما تطلبه الأغراض فلو زال الغرض لزال الطلب فكان يزول المرض فحضرة الشفاء هي التي تنيل أصحاب الأغراض أغراضهم و لا بد من الغرض فإن حيل بين من قام به الغرض و ما تعلق به كان المرض فإن نال ما تعلق به فهو الشفاء له من ذلك المرض و المنيل هو الشافي و كثيرا رأينا ممن يطلب آلاما أي أمورا مؤلمة ليزيل بها آلاما هي عنده أكبر منها و أشد فتهون عليه ما هو دونها و تلك الآلام المطلوبة له هي في حقه شفاء و عافية لإزالة هذه الآلام الشديدة فما طلب هذه الآلام لكونها آلاما فإن الألم غير مطلوب لنفسه و إنما طلبه لإزالة ما هو أشد منه في توهمه و مهما وجد الألم المؤلم و لو كان قرصة برغوث لكان الحكم له في وقت وجوده و يريد المبتلى به إزالته بلا شك فما طلبه إذا طلبه إلا بالتوهم المتعلق بإزالة هذا الأشد فإذا حصل و ذهب الأشد كان ذلك الألم المطلوب شديدا في حقه يطلب زواله بعافية أو مزيل لا ألم فيه و ورد في الخبر أذهب البأس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك و ما ثم شفاء إلا شفاؤه فإن الكل خلقه و لهذا قال الخليل فَهُوَ يَشْفِينِ فأمرنا اللّٰه أن نصلي على محمد ص كما نصلي على إبراهيم لأنه جاء بأمر محتمل أزال هذا الاحتمال إبراهيم ع و قد أمر أن يبين للناس ما نزل إليهم لأن اللّٰه ما أنزل ما أنزله إلا هدى أي بيانا و رحمة بما يحصل لهم من العلم من ذلك البيان فقال الخليل فَهُوَ يَشْفِينِ فنص على الشافي و ما ذكر شفاء لغيره و
قال النبي ص في دعائه لا شفاء إلا شفاؤك فدخل الاحتمال لما جعل اللّٰه في الأدوية من الشفاء و إزالة الأمراض فيحتمل أن يريد محمد ص أن كل مزيل لمرض إنما هو شفاء اللّٰه الذي أودعه في ذلك المزيل فأثبت الأسباب و ردها كلها إلى اللّٰه و هذا كان غرض رسول اللّٰه ص مع تقرير الأسباب لأن العالم ما يعرفون شفاء اللّٰه من غير سبب مع اعتقادهم أن الشافي هو اللّٰه و يحتمل لفظ النبي ص إثبات أشفية لكن لا تقوم في الفعل قيام شفاء اللّٰه فقال لا شفاء إلا شفاؤك و الأول في التأويل أولى بمنصب رسول اللّٰه ص فلما دخل الاحتمال كان البيان من هذا الوجه في خبر إبراهيم الخليل ع
فقيل لنا قولوا في الصلاة على محمد كما صليت على إبراهيم و الصلاة من اللّٰه الرحمة و الشفاء من الرحمة و قد اقتضى مقام النبي ص أن يبين أن الأشفية التي تكون عند استعمال أسبابها أنها شفاء اللّٰه إذ لا يتمكن رفع الأسباب من العالم عادة و
قد ورد أن اللّٰه ما خلق داء إلا و خلق له دواء فأراد اللّٰه أن يعطي محمدا ص ما أعطاه إبراهيم خليله مع ما عنده مما ليس عند غيره هذا أبو بكر رضي اللّٰه عنه و هو حسنة من حسنات رسول اللّٰه ص يقول الطبيب أمرضني و الخليل يقول وَ إِذٰا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ فانظر ما بين القولين تجد قول أبي بكر أحق و أنظر ما بين الأدبين تجد الخليل ع أكثر أدبا فإن آداب النبوة لا يبلغها أدب كما قال معلم موسى ع فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهٰا و فَأَرٰادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغٰا أَشُدَّهُمٰا فهذا لسان إبراهيم عليه الصلاة و السلام
و كل وقت له حال ينطقه و كل حال له معنى يحققه