الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٦٩ - إن اللّٰه أمرنا أن تزين له
بالنظر إلى المفارق أهله بسفره و هو صاحب للمقيمين أهل هذا المسافر فنحن نتكلم فيه من حيث إنه خليفة فهو القائم عَلىٰ كُلِّ نَفْسٍ فإن الرجال قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ فسافروا عن أهليهم فاستخلفوا الحق فيهم ليقوم عليهم بما كان يقوم به عليهم صاحبهم و أوفى فمن هذه الحضرة أيضا جعل اللّٰه الخلفاء في الأرض واحدا بعد واحد لا يصح ولاية اثنين في زمان واحد
قال ص إذا بويع الخليفتين فاقتلوا الآخر منهما و لا نشك أن النبي ص أخبرنا أن اللّٰه هو خليفة المسافر في أهله بجعله لا بجعل المسافر بخلاف الوكالة و سترد حضرة الوكالة إن شاء اللّٰه فما جعل الحق نفسه خليفة في أهل المسافر إلا و له حكم ما هو عين الحكم الذي له فيهم من كونه إلها لهم و خالقا و ربا و رازقا و كونهم مألوهين له و مخلوقين و مرزوقين و مربوبين فما عين اللّٰه للرجل أو القائم في أصله من الحقوق التي لهم عليه فإن اللّٰه يتكفل لهم بذلك ما دام مسافرا غائبا عن أهله و ما يفعله معهم من الإنعام و غير ذلك مما لا يجب على الرجل لأهله عليه فهو من حضرة أخرى لا من حضرة الخلافة بل من حضرة الوهب أو الكرم أو الجود أو غير ذلك و مما يجب للأهل على القائم بهم مما هو خارج عن مئونتهم حفظ الأهل و صيانته و الغيرة عليه فمن خلف غائبا بسوء في أهله فقد أتى بابا من أبواب الكبائر فإنه انتهك حرمة الخليفة في الأهل و غره حلمه و إمهاله و ما علم سر اللّٰه في ذلك من خير يعود على الغائب فإنه مؤمن و ما يقضي اللّٰه لمؤمن بقضاء إلا و له فيه خير و كذلك هذا المنتهك من حيث إنه انتهك حرمة الغائب فله فيه خير التبديل لكونه مؤمنا و من حيث إنه منتهك حرمة الخليفة فأمره إلى اللّٰه لا أحكم عليه بشيء إلا أنه في محل الرجاء و الخوف من غير ترجيح أ لا ترى إلى موسى ع كيف قال بِئْسَمٰا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي و هذا خطاب خارج عمن استخلفه في قومه و هو هارون فسماهم خلفاء و ما استخلفهم لكنه لما تركهم خلفه و سار إلى ربه سماهم بهذا الاسم فاجعل بالك لما تقتضيه هذه الحضرة بما نبهتك عليه و اللّٰه الموفق لا رب غيره
«الجميل حضرة الجمال»
إن الجميل الذي الإحسان شيمته
هو الذي تعرف الأكوان قيمته
إذا يراه الذي فينا يحببه
يرى الوجود فيبدي فيه حكمته
[إن اللّٰه أمرنا أن تزين له]
يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الجميل
قال رسول اللّٰه ص للرجل الذي قال له يا رسول اللّٰه إني أحب أن يكون نعلي حسنا و ثوبي حسنا فقال له ص إن اللّٰه جميل يحب الجمال خرجه مسلم في صحيحه في كتاب الايمان و
في حديث عنه ص اللّٰه أولى من تجمل له و من هذه الحضرة أضاف اللّٰه الزينة إلى اللّٰه و أمرنا أن تتزين له فقال خُذُوا زِينَتَكُمْ و هي زينة اللّٰه عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يريد وقت مناجاته و هي قرة عين محمد ص و كل مؤمن لما فيها من الشهود فإن اللّٰه في قبلة المصلي و
قد قال اعبد اللّٰه كأنك تراه و لا شك أن الجمال محبوب لذاته فإذا انضاف إليه جمال الزينة فهو جمال على جمال كنور على نور فتكون محبة على محبة فمن أحب اللّٰه لجماله و ليس جماله إلا ما يشهده من جمال العالم فإنه أوجده على صورته فمن أحب العالم لجماله فإنما أحب اللّٰه و ليس للحق منزه و لا مجلى إلا العالم و هنا سر نبوي إلهي خصصت به من حضرة النبوة مع كوني لست بنبي و إني لوارث
إني خصصت بسر ليس يعلمه إلا أنا و الذي في الشرع نتبعه
ذاك النبي رسول اللّٰه خير فتى لله نتبعه فيما يشرعه
فأوجد اللّٰه العالم في غاية الجمال و الكمال خلقا و إبداعا فإنه تعالى يحب الجمال و ما ثم جميل إلا هو فأحب نفسه ثم أحب أن يرى نفسه في غيره فخلق العالم على صورة جماله و نظر إليه فأحبه حب من قيده النظر ثم جعل عز و جل في الجمال المطلق الساري في العالم جمالا عرضيا مقيدا يفضل آحاد العالم فيه بعضه على بعض بين جميل و أجمل و راعى الحق ذلك على ما أخبر نبيه ص فقال المؤمن لرسول اللّٰه ص الحديث الذي ذكرناه في هذا الباب الذي خرجه مسلم في صحيحه
إن اللّٰه جميل فهو أولى أن تحبه إذ و قد أخبرت عن نفسك إنك تحب الجمال و أن اللّٰه يحب الجمال فإذا تجملت لربك أحبك و ما تتجمل له إلا باتباعي فاتباعي زينتك هذا قوله ص قال اللّٰه تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ