الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٥١ - من حضرة الجلال ظهرت الألوهة
وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و هو قوله وَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ
«حضرة الجلال»
إن الجليل له الجلال الأعظم
و الجود و الكرم العميم الأفخم
فإذا تخلق عبده بجلاله
تعنو الوجوه له و منه يعظم
و هو الذي سبق الجمال نفاسة
فله التقدم و المقام الأقدم
و له التنزه في المعارج كلها
و له التكرم و الصراط الأقوم
يبدو فيظهره جمال وجوده
يعلو فيحجبه الجلال المعلم
بحقيقة حوت الحقائق كلها
ما قد علمت به و ما لا يعلم
فانهض بها إن كنت تعرف قدرها
ذوقا و لا تك في القيامة تندم
لا تفز عن لها فأنت من أهلها
و أرحل إلى طلب المعالي تعصم
إِنَّ الَّذِينَ يُبٰايِعُونَكَ إنهم
ليبايعون الحق حقا فاعلموا
و أفشوا الذي جئنا به في حقه
لا تكتموه فإنه لا يكتم
و انظر إليه من وراء حجابه
تحظى به إن كنت ممن يفهم
إن كنت من أصحابه في غيبه
فأنعم به إن كنت ممن ينعم
مهما بنيت الصرح أنت خليفة
فاحذر إذا قام البناء يتهدم
إن البناء إذا تقوم بأمره
لا يعتريه تقوض و تهدم
يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الجليل قال تعالى و جل وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ و فِي السَّمٰاءِ رِزْقُكُمْ وَ مٰا تُوعَدُونَ
جعل الرزق و البناء جميعا في سماء و ما لها من فروج
ثم لا بد للعبيد إليها حين يدعون نحوها من عروج
إنما الخلق إن نظرتم إليهم تجدوهم في كل أمر مريج
دون علم فهم حيارى سكارى في خروج إن كان أو في ولوج
[من حضرة الجلال ظهرت الألوهة]
فمن نسبة الجلال إليه له الاسم و من حضرة الجلال ظهرت الألوهة و عجز الخلق عن المعرفة بها و من هذا الاسم يعلم سركم في الأرض لما فيكم من نسبة الباطن و جهركم لما فيكم من نسبة الظاهر لارتفاعكم عن تأثير الأركان فكل عظيم فهو جليل و كل حقير فهو جليل فهو من الأضداد و قيل لأبي سعيد الخراز بم عرفت اللّٰه فقال بجمعه بين الضدين ثم تلا هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظّٰاهِرُ وَ الْبٰاطِنُ يعني من عين واحدة و في عين واحدة ثم نرجع و نقول و لا أحقر ممن يسأل أن يطعم لإقامة نشأته و إبقاء الحياة الحيوانية عليه و على قدر الاحتقار يكون الافتقار و أي افتقار أعظم ممن لا يكون له ما يريد إلا بغيره لا بنفسه و لو لا القوابل ما ظهر مجد القادر لو لا جوع العبد ما ادعى فيه السيد و لو لا عين العبد ما كان للجوع حكم و لما أراد السيد أن يظهر بحكم لا يقوم إلا بعبده فلا بد أن يتعين وجود العبد و هو الذليل فالمفتقر إليه أشد في الحكم و أولى بالاسم فما كمل الوجود إلا بهذا الاسم فما من شيء إلا و له و عليه حكم فثبت الافتقار للحكم سواء حكمت له أو عليه و ما حكم على شيء و لا لشيء إلا عينه فما جاءه شيء من خارج فما ثم إلا هو فهو الحاكم و الحكم و المحكوم عليه أو له فتوحدت العين و اختلفت النسب كبدل الشيء من الشيء و هما لعين واحدة و أما عظمة الجليل فمن تأثيره كما إن حقارته من كونه مؤثرا فيه اسم مفعول و ما من شيء إلا مؤثر و مؤثر فيه لا بد من ذلك فاسم الجليل له حقيقة فيقول العظيم الذي له التأثير للمؤثر فيه الحقير يا جليل و يقول الحقير الذي تأثر و ظهر الأثر فيه للذي له الأثر و التأثير يا جليل بالوجهين من كل قائل و مسم و واصف