الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٤٣ - العرش و العلو
حجابية على يد الرحمن فتقع الصدقة في يد الرحمن قبل وقوعها في يد السائل و إن شئت قلت إن يد السائل هي يد المعطي فيشكر الحق عبده على ذلك الإنعام ليزيده منه
يقول اللّٰه عز و جل جعت فلم تطعمني فطالبه الحال بالتفسير فقال له و كيف تطعم و أنت رب العالمين قال تعالى أما إن فلانا جاع فاستطعمك فلم تطعمه أ ما أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي و كذا جاء في المرض و السقي أي أنا كنت أقبله لا هو و الحديث في صحيح مسلم و عند هذا القول كان الحق صورة حجابية على العبد و عند الأخذ و العطاء كان العبد صورة حجابية على الحق فإذا شهدت فاعلم كيف تشهد و لمن تشهد و بمن تشهد و على من تشهد فلتشكر على حد شهودك و لتقبل الزيادة و لتعط أيضا الزيادة على شهود و تحقيق وجود و موجب الشكر الإنعام و النعم و أعظم نعمة تكون النكاح لما فيه من إيجاد أعيان الأمثال فإن في ذلك إيجاد النعم الموجدة للشكر و لذلك حبب اللّٰه إليه النساء و قواه على النكاح أعني لرسول اللّٰه ص و أثنى على التبعل و ذم التبتل فحبب النساء إليه لأنهن محل الانفعال لتكوين أتم الصور و هي الصورة الإنسانية التي لا صورة أكمل منها فما كل محل انفعال له هذا الكمال الخاص فلذلك كان حب النساء مما امتن اللّٰه به على رسوله ص حيث حبهن إليه مع قلة أولاده ص فلم يكن المراد إلا عين النكاح مثل نكاح أهل الجنة لمجرد اللذة لا للإنتاج فإن ذلك راجع إلى إبراز ما حوى عليه ص من ذلك و هذا أمر خارج عن مقتضى حب المحل المنفعل فيه التكوين أ لا ترى الحق إن فهمت معاني القرآن كيف جعل الأرض فراشا و كيف خلق آدم منها و جعله محل الانفعال و نطق
رسوله ص بقوله الولد للفراش يريد المرأة أي لصاحب الفراش كما كان آدم ع حيث جعله خليفة فيمن خلق فيها ليكون أيضا صاحب فراش لأنه على صورة من أوجده فأعطاه قوة الفعل كما أعطاه قوة الانفعال فكان وطاء و غطاء فالحق هو الشاكر المشكور
و في الشكر أسرار يراها ذوو الحجى يفوز بها عبد الشكور إذا شكر
و من أجل ذا سمي الإله لعبده على لغة الأعراب الفرج بالشكر
لما فيه من الزيادة على الالتذاذ بالنكاح و هي ما يتولد فيه عن النكاح من الولد الروحاني و الجسماني دنيا جسما و آخرة روحا و قد ذكرنا ذلك في توالد الأرواح من هذا الكتاب و بينا ذلك أيضا في القصيدة الطويلة الرائية التي أولها
اعترضت عقبة وسط الطريق في السفر
و هذا القدر من الإيماء كاف في معرفة هذه الحضرة الإلهية وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«حضرة العلو»
تواضع فالإله هو العلي
له التنزيه منا و العلو
فقل إن شئت فرد لا يداني
و قل ما شئته فالأمر تو
فليس سوى الذي قد قام عندي
إله ما له إلا السمو
و ليس سوى الذي قد قام عندي
عبيد ما له إلا الدنو
فلا تغلو فديتك يا خليلي
فإن الدين يفسده الغلو
[العرش و العلو]
يدعى صاحب هذه الحضرة عبد العلي قال اللّٰه عز و جل اَلرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ و كان شيخنا العريبي يقف في هذه الآية على العرش و يبتدئ استوى لَهُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا وَ مٰا تَحْتَ الثَّرىٰ أي ثبت له و كل ما سوى اللّٰه عرش له علو قدر و مكانه في قلوب العارفين به من علماء النظر و غيرهم من العلماء فعلوه تعالى بهذا التفسير مطلق و بقي علو المكان الذي أثبته الايمان بالخبر الصدق و دل عليه عند العلماء بالله من طريق الشهود صور التجلي فهو بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ لاستوائه و لما كان أعلى الموجودات و أعظمها من وجب له الوجود لنفسه استقلالا و كان له الغني صفة ذاتية لم يفتقر إلى غيره كان بالاسم العلي أولى و أحق و كان من كان وجوده بغيره مستوي لهذا العلي و ليس إلا اللّٰه فمن هذه الحضرة ظهر العلو فيمن علا في الأرض كفرعون الذي قال اللّٰه تعالى فيه إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاٰ فِي الْأَرْضِ و جعل العلو