الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٧٩ - التخلق بالقيومية
«الباب الخامس و الثلاثون و خمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله قوله جل ثناؤه
و تقدست أسماؤه اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ »
الذاكرون بكل حال ربهم
هم أهل كل فضيلة في العالم
لا يشهدون سواه في أعيانهم
فهم الملوك على الوجود الدائم
قاموا بحق اللّٰه لا بحقوقهم
في راقد أو قاعد أو قائم
حازوا الكمال فلم يكن لسواهم
هذا المقام من الآلة الحاكم
لهم التفكر في تعلق وصفه
بوجودهم و وجود كل العالم
[التخلق بالقيومية]
اعلم أيدنا اللّٰه و إياك بِرُوحٍ مِنْهُ أن الأصل في الخلق حالة الرقاد حتى يكون الحق يقيمه إما لجلوس فينال نصيبا من الرحمة قال تعالى وَ كُنْتُمْ أَمْوٰاتاً فَأَحْيٰاكُمْ و إما لقيام فينال نصيبا من آية قوله تعالى أَ فَمَنْ هُوَ قٰائِمٌ عَلىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمٰا كَسَبَتْ يقول اللّٰه تعالى اَلرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ و قال اَللّٰهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ و اختلف العلماء من أصحابنا في التخلق بالقيومية هل يصح أو لا فعندنا إنه يصح التخلق بها مثل جميع الأسماء و قال اللّٰه اَلرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ بِمٰا فَضَّلَ اللّٰهُ و لقيت أبا عبد اللّٰه بن جنيد لما جاء إلى زيارتنا بإشبيلية فسألته في ذلك فقال يجوز التخلق بها يعني بالاسم القيوم ثم منع من ذلك و ما أدري ما سبب منعه يقول اللّٰه تعالى اَلرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ بِمٰا فَضَّلَ اللّٰهُ بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ و كان هذا أعني أبا عبد اللّٰه بن جنيد القبر فيقي ضيعة من أعمال رندة ببلاد الأندلس فلم أزل به ألاطفه في أصحابه و أتباعه بقريته لكونه كان معتزلي المذهب حتى انكشف له الأمر فرجع عن مذهب الاعتزال القائلين بإنفاذ الوعيد و بخلق الأفعال و عرف محل ذلك فأنزله في موضعه و لم يتعد به رتبته و شكرني على ذلك و رجع لرجوعه جميع أصحابه و أتباعه و حينئذ فارقته فهذا ذكر الأحوال لا يقف عند ذكر خاص و إنما هو بحسب الحال و من حاز هذه الأحوال الثلاثة فقد حاز الوجود فالآية التي تعم جميع الأحوال في الذكر قوله وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ هذا هو الذكر العام الذي يعم جميع الأحوال و بقي ذكر التخصيص فذكر القائم اَلرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ و ذكر القاعد أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمٰاءِ و ذكر الجنب وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ و هذا كله فيه خلاف أعني في تأويله بين العلماء فاجمع همك على أمر واحد حتى يزول عنك التبديد فإن شئت راقبت اَلرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ و إن شئت راقبت أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمٰاءِ و كونه
في السماء يقول هل من تائب هل من مستغفر هل من داع و إن شئت راقبت وَ هُوَ اللّٰهُ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ فِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ و إن كان طعامك ثريدا فراقب وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ و كينونتنا تعم حسا و معنى فبالحس حيث نحن من الأرض و حيث نحن فيه من الشغل بالجوارح و معنى حيث كتابا لهم و المقاصد و الخواطر فنشهده في الشغل فاعلا و في القصد قاصدا أيضا فنعكس الأمر فنكون بحيث هو فإنا بحيث ما نحن عليه و ليس إلا هو
فكن في أحسن إلهيات تسعد و كن في أكمل الحالات ترشد
و كن بالحال لا بالقول فيه تكن في حكم من يقضي فيقصد
و هذا القدر من الإيماء نصيحة إلهية لِمَنْ كٰانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب السادس و الثلاثون و خمسمائة في معرفة حال قطب كان هجيره وَ مَنْ كٰانَ يُرِيدُ
حَرْثَ الدُّنْيٰا نُؤْتِهِ مِنْهٰا وَ مٰا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ »
الحرث حرثان محمود و مذموم
و أنت حارثه و الرزق مقسوم
لا تحرثن لدنيا أنت تتركها
فإن حرثت لها فأنت مذموم
لا تحرثن لما يفنى فلست له
و احرث لباقيه فالأمر مفهوم