الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٧٣ - أن الجهل بالله إنما ينشأ من جهلك بك
و أعمتها الحاجة عن اختلاف الأسباب و قيام كل سبب عن الآخر و قالت لعل هذا الغيب الذي دعاني إليه يكون مثل الشهادة كثيرين يغني الواحد منهم عن الآخر فأبقى على حالتي و لا أتعب ذاتي في مظنون فتثبطت عن إجابة الداعي ثم إن اللّٰه بحكمته في وقت قطع عنها الأسباب كلها و اضطرها فلما لم تجد سببا تستند إليه ظاهرا جنحت إلى ذلك الغيب الذي دعاها لعل بيده فرجا يخرجها من الضيق الذي تجده فأجابته مضطرة و هو البلد اَلَّذِي خَبُثَ ف لاٰ يَخْرُجُ نباته إِلاّٰ نَكِداً قال تعالى وَ إِذٰا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ فنبه على موضع انقطاع الأسباب ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ يعني الأسباب إِلاّٰ إِيّٰاهُ فكان هو السبب الذي ينجي فلما نجاه اللّٰه و أغاثه و استقل قال هذا أيضا من جملة الأسباب التي يقوم بعضها عن بعض فيما نريده فجعله واحدا من الأسباب و هو المشرك فما خرج إلا نكدا و لهذا سارع في الرجعة إلى السبب الظاهر فتميز الفريقان و إنما كان فريقان في العالم بهذه المثابة لما حكم به الأصل فإن الأصل فيه جبر و اختيار فبالاختيار لم يزل يسقط من الخمسين صلاة عشرا عشرا حتى انتهى إلى خمسة و بعدم الاختيار أثبتها خمسة و قال مٰا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ و كان المجبر له ما أعطاه المعلوم فلم يتعد علمه فيه و الذين يلجئون فيه إلى اللّٰه في حال الاضطرار الكلي استنادهم من حيث لا يعلمون إلى هذا الأصل في الحكم و الفريق الآخر استناده إلى حكم الاختيار في أنه تعالى فَعّٰالٌ لِمٰا يُرِيدُ فأهل الضرورة في الرجعة أحق و أهل الاختيار في الرجعة أوفق و أسعد فالذي خرج نكدا له من الأحوال الإلهية
قوله تعالى ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نسمة المؤمن يكره الموت و أكره مساءته و لا بد له من لقائي يقول لا بد أن أميته على كره مني و هو المعلوم الذي جعلني في هذا لأني علمت منه وقوع هذا فلو لا حصول العلم عنده من الممكنات كما هي في أنفسها عليه ما صح تردد و لا فعل ما فعله أو بعض ما فعله على كره فانظر فيما أعطاه هذا الذكر من العلم القريب وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الموفي ثلاثين و خمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّٰاسِ وَ لاٰ يَسْتَخْفُونَ مِنَ
اللّٰهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مٰا لاٰ يَرْضىٰ مِنَ الْقَوْلِ وَ كٰانَ اللّٰهُ بِمٰا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً »
الجهل بالله عين الجهل بي و لذا
سترت نفسي عن مثلي و أشكالي
و قد علمت بأن اللّٰه ينظرني
على الذي قال لا تخطره بالبال
فما الجواب إذا قال الجليل لنا
لما فعلتم فقلنا له الحكم للحال
الحال موهبة و أنت واهبها
هلا حفظت وجودي حفظ أمثالي
فلا تلمني و لم من أنت تعرفه
و أنت تدريه رب القيل و القال
[أن الجهل بالله إنما ينشأ من جهلك بك]
اعلم أيدنا اللّٰه و إياك بروح منه أن الجهل بالله إنما كان من جهلك بك فإن اللّٰه ما جعل دليلا على العلم به إلا علمك بك فجعل الآية في نفسك و
قال النبي ص المترجم عنه من عرف نفسه عرف ربه و ما أحسن ما قال تعالى يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّٰاسِ فإنهم مجبولون على النسيان وَ لاٰ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّٰهِ الذي لا يضل و لا ينسى و كان الأولى لو صح عكس القضية إلا أنه لا يصح أن يستخفي شيء عن اللّٰه و السبب الموجب للاستخفاء عن الناس ما علموا منهم من الحب في ظهور التحكم فيهم بقدر الحال و الاستطاعة و بما فيهم من حب الثناء الحسن و طلب المحمدة فإذا اطلعوا على هذا الذي أشرنا إليه من العمل سقطت حرمة العامل من قلب الذي يراه و قام عليه لسان الذم منه و سبب ذلك الجنسية و مع كونه يعلم أن اللّٰه يحيط به علما لكن يرى هذا العامل أن الأسماء الإلهية تتحاور فيه في حال هذا العمل و لا سيما الاسم الحليم و الصبور و يعلم أن الاختفاء منه محال فلا بد من إتيان ما أتى به فإن كان مؤمنا أتاه على كره فأشبه قبض الحق بالموت نسمة المؤمن على كره فيجد في مثل هذا اتساعا يجول فيه حتى أنه ربما قال في سوية الحق في ذلك و لا يقول مثل هذا إلا غير أديب أ لا تراه يقول تعالى في تمام هذه الآية وَ كٰانَ اللّٰهُ بِمٰا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ينبه أن هذا العمل الذي هو فيه قد أحطت علما به من نفسي من حيث كرهت أشياء لا بد من أني أوجدها و أحببت أشياء و إنما قال ذلك لإقامة عذر عبده المؤمن فإنه ما يكره فعل ما يستخفي منه و يستخفي بسببه إلا المؤمن بأن هذا لا يجوز عمله شرعا فالإحاطة من اللّٰه بالأشياء مثل