الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٣٧ - هل الحاكم يحكم بعلمه أم لا
لأنه في وضعه على ذلك فيأخذ كل صاحب وجه منه بنصيب لأنه صالح لذلك و كل آية في الهجيرات إنما تؤخذ على انفرادها كما سطرت و عند أهل التحقيق هذا المأخذ و إن كان عالي الأوج فإن مسمى الآية إذا لزمتها أمور من قبل أو بعد يظهر من قوة الكلام إن الآية تطلب تلك اللوازم فلا تكمل الآية إلا بها و هو نظر الكامل من الرجال فمن ينظر في كلام اللّٰه على هذا النمط فإنه يفوز بعلم كبير و خير كثير كما تقول في بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ إنها آية مستقلة و تقول فيها في سورة النمل إنها جزء آية فلا كمال لها في الآي إلا بزيادة فاعلم أنه كما لِكُلِّ أَجَلٍ كِتٰابٌ كذلك لكل عمل جزاء و القول عمل فله جزاء إن اللّٰه عند لسان كل قائل و ليس بعد الخواطر أسرع عملا منه أعني من اللسان فالقول أسرع الأعمال و لا يتولى حساب صاحبه إلا أسرع الحاسبين لأن متولي الحساب على الأعمال من الأسماء الإلهية ما يناسب ذلك العمل إن فهمت وَ اللّٰهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الواحد و خمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله أَ غَيْرَ اللّٰهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ
صٰادِقِينَ و كان هذا هجير الشيخ أبي مدين شيخنا رضي اللّٰه عنه»
أ فغير اللّٰه يدعو صادق
أم بغير اللّٰه فوه ينطق
بل به ينطق لا يعقبه
و لذا في كل حال يصدق
ثم يدعوه إذا يدعو به
فهو الداع الذي لا يلحق
أخلق الخالق ما يخلقه
لجديد بعد هذا يخلق
ليت شعري هل ترى من كائن
قائم العين به لا يخلق
حجب الأمثال ما قام بها
من فناء كونه يحقق
[هل الحاكم يحكم بعلمه أم لا]
قال اللّٰه تعالى بَلْ إِيّٰاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مٰا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شٰاءَ وَ تَنْسَوْنَ مٰا تُشْرِكُونَ أي تتركون الشرك فانتج هذا الذكر هذه الشهادة الإلهية و إذا كان الحاكم عين الشاهد بقيت الحيرة في هل يحكم الحاكم بعلمه أم لا فإن الشهادة علم و الحكم قد يكون عن غلبة ظن و عن علم و موضع الشهادة بَلْ إِيّٰاهُ تَدْعُونَ ... وَ تَنْسَوْنَ مٰا تُشْرِكُونَ و هو قوله وَ إِذٰا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّٰ إِيّٰاهُ و قوله أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذٰا دَعٰاهُ فقد شهد على نفسه لنا في دار التكليف بتوحيده في المهمات و لا يعرف الكريم إلا المسيء و لا أكرم من اللّٰه و قد نبه اللّٰه المسيء أن يقول بكرم الحق لكونه يحكم بالكرم في حقه فقال يٰا أَيُّهَا الْإِنْسٰانُ مٰا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ هذا ليقول كرمك و ما يعني بالإنسان هنا إلا المسيء صاحب الكبيرة فإنه لا يقاوم كبير كرمه إلا بأكبر الكبائر فهناك يظهر عموم الكرم الإلهي و قوته فهو و إن لم يغفر فلا بد من الكرم الإلهي في المال و إن لم يخرج من النار لأنها موطنه و منها خلق حتى لو أخرج منها في المال لتضرر فله فيها نعيم مقيم لا يشعر به إلا العلماء بالله فلما كشف اللّٰه غطاء الجهل و العماء عمن كشفه أبصر أن أحدا من الخلق ما دعا في حال شدته إلا اللّٰه فلو لم يكن في علمه في حال الرخاء إن حل الشدائد بيد اللّٰه خاصة و هذا هو التوحيد ما أظهر ذلك الاعتقاد عند الشدائد فلم يزل المشرك موحدا بشهادة اللّٰه في حال الرخاء و الشدة غير إن المشرك في حال الرخاء لا يظهر عليه علم من إعلام التوحيد الذي هو معتقده فإذا اضطر رجع إلى علمه بتوحيد خالقه لم يظهر عليه علم من أعلام الشرك و كل ذلك في دار التكليف و أكثر علماء الرسوم غائبون عن هذا الفضل الإلهي و الكرم فيعطي هذا الذكر من العلم بكرم اللّٰه ما ليس عند أحد من خلق اللّٰه ممن ليس له هذا الذكر و الدءوب عليه و لم أسمع عن أحد تحقق به في زماني مثل الشيخ أبي مدين ببجاية رحمه اللّٰه و إذا اجتمع في دار التكليف في الشخص ظهور التوحيد في وقت و ظهور الشرك في وقت مع استصحاب التوحيد في الباطن مع وجوده في أصل الفطرة و الرجوع إليه في المال في حال الاحتضار قبل الخروج من الدنيا فكان زمانه أكثر من زمان الشرك فلو قابلنا الأمر بالزمان بينهما لكان زمان التوحيد غالبا بالفطرة و الاستصحاب في الباطن دائما علما و عقدا و كان ظهوره في وقت الشدائد بأزمانه أكثر من زمان الشرك فلا يحجبنك حكم الدار عن هذا الذي أومأنا إليه في هذا