الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٣١ - في الارتداد
و يرجى و يسأل و يجيب إن شاء و إن شاء و غفور بما ستر من هذه العلوم و الأسرار الراجعة إليه تعالى و إلى أسمائه و إلى العالم عن الخلق كلهم بالمجموع فلا يعلم المجموع و لا واحد من الخلق لكن له العلم بالآحاد فعند واحد ما ليس عند الآخر فهو بالمجموع حاصل فهو حاصل في المجموع غير حاصل عند واحد واحد و هو قوله وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّٰ بِمٰا شٰاءَ فجاء بباء التبعيض فعند واحد من العلم بالله ما ليس عند الآخر فلذلك قال إِنَّ اللّٰهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
«الباب الخامس و التسعون و أربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كٰافِرٌ »
من يرتدد منكم عن دينه و يموت
فإنه كافر بالدين أجمعه
لأنه أحدي العين ليس له
مخالف جاءه من غير موضعه
و إن إتيانه بالكل شرعته
بذا أتى الحكم فيه من مشرعه
[في الارتداد]
الضمير في أنه يعود على الذين قال اللّٰه تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهٰاجاً فالمراد هنا بضمير منكم ليس إلا الأنبياء ع لا الأمم لأنه لو كان للأمم لم يبعث رسول في أمة قد بعث فيها رسول إلا أن يكون مؤبدا لا يزيد و لا ينقص و ما وقع الأمر كذلك فإن جعلنا الضمير في قوله منكم للأمم و الرسل جميعا تكلفنا في التأويل شططا لا نحتاج إليه فكون الضمير كناية عن الرسل أقرب إلى الفهم و أوصل إلى العلم و يدخل في ذلك عموم الرسالة و خصوصها و
قال ص من بدل دينه فاقتلوه فاختلف الناس في اليهودي إن تنصر و النصراني إن تهود هل يقتل أم لا و لم يختلفوا فيه إن أسلم فإنه ص ما جاء يدعو الناس إلا إلى الإسلام و جعل علماء الرسوم أن هذا تبديل مأمور به و ما هو عندنا كذلك فإن النصراني و أهل الكتاب كلهم إذا أسلموا ما بدلوا دينهم فإنه من دينهم الايمان بمحمد ص و الدخول في شرعه إذا أرسل و أن رسالته عامة فما بدل أحد من أهل الدين دينه إذ أسلم فافهم و ما بقي إلا المشرك فإن ذلك ليس بدين مشروع و إنما هو أمر موضوع من عند غير اللّٰه و اللّٰه ما قال إلا مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ و
رسول اللّٰه ص يقول من بدل دينه و إنما لم يسم الشرك دينا لأن الدين الجزاء و لا جزاء في الخير للمشرك على الشرك أصلا لا فيما سلف و لا فيما بقي و إذا آل المشرك إلى ما يؤول إليه في النار التي هي موطنه الذي لا يخرج منه أبدا فإن ذلك ليس بجزاء و إنما ذلك اختصاص سبق الرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فيظهر حكمها فيه في وقت ما عند إزالة حكم الغضب الإلهي فما أراد بالدين إلا الذي له جزاء في الخير و الشر و لو أراد الدين الذي هو العادة مثل قول إمرئ القيس
كدينك من أم الحويرث قبلها و جارتها أم الرباب بمأسل
أراد بالدين هنا العادة و نحن إنما تكلمنا في الدين المشروع الذي العادة جزء منه فيكشف للذاكر بهذا الذكر علم الارتداد و هو الرجوع الذي في قوله وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فمن الناس من عجل له هنا الرجوع إلى اللّٰه و ليس ذلك إلا للعارفين بالله فإنهم يرجعون في أمورهم كلها إلى اللّٰه و لا يزالون يستصحبهم ذلك إلى الموت فيموتون عليه و إنما وصفوا بالكفر لأنهم تستروا بالأسباب و لم يقولوا بإبطالها فهم في نفوسهم و حالهم مع اللّٰه و بظاهرهم في الأسباب فإنهم يرون الأسباب راجعة إلى اللّٰه فرجعوا لرجوعها و رجعوا بها إلى اللّٰه فلما لم يفقدهم أصحاب الأسباب في الأسباب تخيلوا فيهم أنهم أمثالهم فيما هم فيه فجاءت هذه الآية ذما في العموم و حمدا و مدحا في الخصوص و لهذا تممها فقال فيهم إن أعمالهم حبطت لأنه أضافها إليهم و أعطاهم الرجوع إلى اللّٰه العلم بأن أعمالهم إلى اللّٰه لا إليهم فحبطت أعمالهم من الإضافة إليهم و صارت مضافة إلى اللّٰه كما هي في نفس الأمر و قوله في الدنيا يريد من عجل له الكشف عن ذلك هنا و قوله في الآخرة يريد من أخر له ذلك و هو الجميع إذا انكشف الغطاء و أما إضافة الدين إليه في قوله عَنْ دِينِهِ و إنما الدين لله فإن الراجع إذا رآه في رجوعه لله لا إليه زالت هذه الإضافة عنه لشهوده و إنما قلنا بإضافة الدين إليهم في هذه الآية لأنه أظهر في الحكم من أجل قوله حَتّٰى يَرُدُّوكُمْ يعني في الفتنة عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطٰاعُوا فأضاف الدين إليهم فكان الأوجه أن يكون في ضمير الهاء على ما هو عليه في ضمير الخطاب سواء و إن جاز أن يكون ضمير الهاء يعود على اللّٰه لكن الأصل في الضمائر