الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١١ - خلق العالم في ستة أيام
إلى جناتهم يقول اللّٰه اِسْتَعِينُوا بِاللّٰهِ وَ اصْبِرُوا و يقول أنا أغنى الشركاء عن الشرك و معلوم أن الاستعانة شرك في العمل فإن كان العمل له فأين العبد و إن كان للعبد فقد أشرك نفسه فاختلسه هذا القدر من توحيد الأفعال فمن علم أن العبد محل لظهور العمل فلا بد منه و لا بد من القبول إن قيل إنه تعالى أوجد العبد و العمل فلو لم يكن العبد قابلا لإيجاد القادر إياه لما وجد دليلنا المحال فلا بد من قبول الممكن فلا بد من الاشتراك في الإيجاد إن كان في إيجاد العبد فلا بد منه و إن كان في إيجاد العمل التكليفي فلا بد من العبد فعلى كل حال لا بد منك و منه إلا أنك منعوت بالضعف فقال تعالى اَللّٰهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ لكون الممكن لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الترجيح على كل حال ثم جعل من بعد ضعف قوة للتكليف إلا أنه لا يستقل فأمر بطلب المعونة فلو لا أن للمكلف نسبة و أثرا في العمل ما صح التكليف و لا صح طلب المعونة من ذي القوة المتين فإن شئت سميت أنت ذلك القدر من الاشتراك كسبا و إن شئت سميته خلقا بعد أن عرفت المعنى و أما أهل اللّٰه أرباب الكشف فكما قلنا إن ذلك كله أحكام أعيان الممكنات في العين الوجودية الظاهرة في الصور عن آثار الأسماء الإلهية الحسنى من حيث إن الممكن متصف بها فهي للحق أسماء و هي للممكن نعوت و صفات في حال عدم الممكن لأن وجود عينه من حيث الحقيقة قد بينا أنه لا يتصور فما استفاد الممكن إلا ظهور أحكامه بوجود الصور التي تتبعها أسماء الممكنات فكما أن أسماء اللّٰه الحسنى للممكن على طريق النعتية كذلك الأسماء الكونية التي تنطلق على الصور الكائنة في عين الوجود هي أسماء للعين الوجودية قال تعالى قُلْ سَمُّوهُمْ في معرض الدلالة فإذا سموهم قالوا هذا حجر هذا شجر هذا كوكب و الكل اسم عبد ثم أبان الحق تعالى ذلك كله ليعقل عنه فقال تعالى إِنْ هِيَ إِلاّٰ أَسْمٰاءٌ سَمَّيْتُمُوهٰا أَنْتُمْ وَ آبٰاؤُكُمْ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ بِهٰا مِنْ سُلْطٰانٍ فقلتم عن العين من أجل الصورة إنها حجر أو شجر أو كوكب أو أي اسم كان من المعبودين الذين ما لهم اسم اللّٰه فما قال أحد من خلق اللّٰه أنا اللّٰه إلا اللّٰه المرقوم في القراطيس إذا نطق يقول أنا اللّٰه فتعلم عند ذلك ما معنى قوله أنا اللّٰه و إنه حق أعني هذا القول في ذلك اللسان المصطلح عليه و يقوله أيضا العبد الكامل الذي الحق لسانه و سمعه و بصره و قواه و جوارحه كأبي يزيد و أمثاله و ما عدا هذين فلا يقول أنا اللّٰه و إنما يقول الاسم الخاص الذي له في ذلك اللسان له فاعلم ذلك وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الثامن و أربعمائة في معرفة منازلة
يوم السبت حل عنك
مئزر الجد الذي شددته فقد فرغ العالم مني و فرغت منه»
فرغنا من الأجناس فالخلق خلقنا
و قد بقيت أشخاصها تتكون
مدى الجود و الأنفاس فالأمر دائم
إلى غير غايات له تتعين
هو الغاية القصوى فليست نهاية
سواه فهذا حقه المتيقن
أنا البدء لا عود تراه لأنه
هو الواسع المختار بي فتبينوا
أنا أول بالقصد فالكون كوننا
و آخر موجود أنا يتيقن
كلوا طيبات الرزق من كل جانب
فمن أجلنا بانوا و لله كونوا
[خلق العالم في ستة أيام]
قال اللّٰه تعالى إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ فنقول من باب الإشارة لا من باب التفسير يتجاوزون بالراحة حدها و بها سمي السبت سبتا فإن اللّٰه خلق العالم في ستة أيام بدأ به يوم الأحد و فرغ منه يوم الجمعة و ما مسه من لغوب و لم يعي بخلقه الخلق فلما كان يوم السابع من الأسبوع و فرغ من العالم كان يشبه المستريح الذي مسه اللغوب فاستلقى و وضع إحدى رجليه على الأخرى و قال أنا الملك كذا ورد في الأخبار النبوية فسمي يوم السبت يريد يوم الراحة و هو يوم الأبد ففيه تتكون أشخاص كل نوع دنيا و آخرة فما هي إلا سبعة أيام لكل يوم وال ولاة اللّٰه فانتهى الأمر إلى يوم السبت فولى اللّٰه أمره واليا له الإمساك و الثبوت فله إمساك الصور في الهباء فنهار هذا اليوم الذي هو يوم الأبد لأهل الجنان و ليله لأهل النار فلا مساء لنهاره و لا صبح لليله و ما رأينا أحدا اعتبر هذا اليوم إلا السبتي محمد بن هارون الرشيد أمير