الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٠٧ - البقاء مختص بما هو عند اللّٰه
أنه لو اعتقد أن كل جهة يتولى إليها ما فيها وجه اللّٰه لكان كافرا و جاهلا و مع هذا فلا يجوز له أن يتعدى بالأعمال حيث شرعها اللّٰه و لهذا اختلفت الشرائع فما كان محرما في شرع ما حلله اللّٰه في شرع آخر و نسخ ذلك الحكم الأول في ذلك المحكوم عليه بحكم آخر في عين ذلك المحكوم عليه قال اللّٰه تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهٰاجاً فما نسخ من شرع و اتبعه من اتبعه بعد نسخه فذلك المسمى هوى النفس الذي قال اللّٰه فيه لخليفة داود إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ يعني الحق الذي أنزلته إليك وَ لاٰ تَتَّبِعِ الْهَوىٰ و هو ما خالف شرعك فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ و هو ما شرعه اللّٰه لك على الخصوص فإذا علمت هذا و تقرر لديك علمت أن اللّٰه إله واحد في كل شرع عينا و كثير صورة و كونا فإن الأدلة العقلية تكثره باختلافها فيه و كلها حق و مدلولها صدق و التجلي في الصور يكثره أيضا لاختلافها و العين واحدة فإذا كان الأمر هكذا فما تصنع أو كيف يصح لي أن أخطأ قائلا و لهذا لا يصح خطأ من أحد فيه و إنما الخطاء في إثبات الغير و هو القول بالشريك فهو القول بالعدم لأن الشريك ليس ثم و لذلك لا يغفره اللّٰه لأن الغفر الستر و لا يستر إلا من له وجود و الشريك عدم فلا يستر فهي كلمة تحقيق إِنَّ اللّٰهَ لاٰ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ لأنه لا يجده فلو وجده لصح و كان للمغفرة عين تتعلق بها و ما في الوجود من يقبل الأضداد إلا العالم من حيث ما هو واحد و في هذا الواحد ظهرت الأضداد و ما هي إلا أحكام أعيان الممكنات في عين الوجود التي بظهورها علمت الأسماء الإلهية المتضادة و أمثالها فإذا علمت هذا فقل بعد ذلك ما شئت أما كثرة الأسماء أظهرت كثرة الأحكام و أما كثرة الأحكام أظهرت كثرة الأسماء فإنه أمر لا ينكره عقل و لا شرع فالوجود يشهد له و ما بقي إلا ما ذكرناه إلى من ينسب الحكم هل للأسماء الإلهية أم للممكنات الكونية و هما مرتبطان محكوم بهما في عين واحدة
فيا خيبة الجهال ما ذا يفوتهم و ما ذا يفوت القائلين بجهلهم
فقد قلت هذا ثم هذا فإنني من أجل الذي قد قلت فيهم من أهلهم
فمن وحد ما أنصف و من أشرك فما أصاب هو تعالى واحد لا بتوحيد موحد و لا بتوحيده لنفسه لأنه واحد لنفسه فما أحديته مجعولة و لا أحدية كثرته مجهولة و ما ثم إلا عدم و وجود فالوجود له و العدم ليس له لكن له الإعدام و لا يقال و العدم لغيره فتثبت عين ما تنفى فتجوز في اللفظ و ما بين الوجود و العدم ما لا يتصف بالوجود و لا بالعدم و هو العالم معطي الأحكام لعين الوجود و الصور لعين الشهود و المدلولات لأدلة العقود فشاهد و مشهود و عاقد و معقود و موجد و موجود و ما ثم أمر مفقود فقد تميزت الحدود بل ميزت كل محدود و ما ثم إلا محدود لمن عرف العدم و الوجود وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الرابع و السبعون و أربعمائة في حال قطب كان منزله مٰا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مٰا عِنْدَ اللّٰهِ بٰاقٍ »
أنا عند الذي ما زال عندي
فزال نفادنا فلنا البقاء
تقاسمنا الوجود على سواء
فكان له السنا و لنا السناء
به فانظر إذا ما قلت أنا
فنحن به له فلنا الثناء
رأيناه بغير اسمي وحيدا
نزيها لا ينهنهه اللقاء
فلما أن تسمى غاب عنا
و أسبل دون أعيننا الغطاء
[البقاء مختص بما هو عند اللّٰه]
قال اللّٰه عز و جل اَللّٰهُ نُورُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ فله السناء و قال إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ فله و لنا السناء بصعودنا إليه و قال وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّٰ عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ
فنحن و ما عندنا عنده و ليس الذي عنده عندنا
وَ مٰا عِنْدَ اللّٰهِ بٰاقٍ قلنا و لما عندنا البقاء فهو و إن نفد ما عندنا من عندنا فإنه لا ينفد من عنده وَ مٰا عِنْدَ اللّٰهِ خَيْرٌ وَ أَبْقىٰ و ما عند اللّٰه إلا العالم و اللّٰه خير و أبقى ممن هو عنده كذا قال اللّٰه سبحانه في كتابه خَيْرٌ وَ أَبْقىٰ لأن بقاء العالم إذا وصف بالوجود بإبقائه و إذا أبقيناه على حاله مع ظهور أحكامه في عين الوجود فله البقاء و هو بكل حال لم يزل في درجة الإمكان