الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٠٦ - التوحيد في الألوهية
فكان من أهله بل هو عين القرآن إذا كان على هذا الوصف و هو من أهل اللّٰه و خاصته فالقول كله حسن و أحسن و ما ثم سوء إلا في المقول عنه ذلك هو السوء أو في المتكلم به ليس في القول
ليس في القول و الكلام قبيح إنما القبح في الذي قيل عنه
أو قيل أو تكلم به أو تكلم عنه فافهم ذلك و خذ الوجود كله على أنه كتاب مسطور و إن قلت مرقوم فهو أبلغ فإنه ذو وجهين ناطق بالحق و عن الحق تكن من اَلَّذِينَ هَدٰاهُمُ اللّٰهُ أي وفقهم بما أعطاهم من البيان وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبٰابِ الغواصون على خفايا الأمور و حقائقها المستخرجون كنوزها و الحالون عقودها و رموزها و العالمون بما تقع به الإشارات في الموضع الذي تسمح فيه العبارات وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الثالث و السبعون و أربعمائة في حال قطب كان منزله وَ إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ »
بتوحيد الإله يقول قوم
و توحيد الكثير هو الوجود
و من أسمائه الحسنى علمنا
بأن اللّٰه يَفْعَلُ مٰا يُرِيدُ
فكان بنا الإله و فيه كنا
هو المولى و نحن له عبيد
[التوحيد في الألوهية]
اعلم أيدنا اللّٰه و إياك بروح منه أن اللّٰه أمرنا بتوحيده في ألوهته فلا إله إلا هو كما نهانا عن التفكر في ذاته فعصاه أهل النظر في ذلك ممن يزعم أنه من أهل اللّٰه كالقدماء و غيرهم من المتكلمين و بعض الصوفية كأبي حامد و غيره في مضنونه و غير مضنونه و احتجوا بأمور هي عليهم لا لهم و بعد استيفاء النظر أقروا بالعجز فلو كان ثم علم و إيمان حق و صدق لكان ذلك في أول قدم فتعدوا حدود اللّٰه التي هي أعظم الحدود و جعلوا ذلك التعدي قربة إليه و لم يعلموا أن ذلك عين البعد منه و عند كشف الغطاء يظهر من أعطى و من أعطى
سوف ترى إذا انجلى الغبار أ فرس تحتك أم حمار
فالصورة صورة فرس و الخبرة خبرة حمار هذا الذكر يعطي الذاكر به رجاء عظيما و فتحا مبينا و ذلك أن اللّٰه تعالى خاطب في هذه الآية المسلمين و الذين عبدوا غير اللّٰه قربة لي اللّٰه فما عبدوا إلا اللّٰه فلما قالوا مٰا نَعْبُدُهُمْ إِلاّٰ لِيُقَرِّبُونٰا إِلَى اللّٰهِ زُلْفىٰ فأكدوا و ذكروا العلة فقال اللّٰه لنا إِنَّ إِلٰهَكُمْ و الإله الذي يطلب المشرك القربة إليه بعبادة هذا الذي أشرك به واحد كأنكم ما اختلفتم في أحديته فقال وَ إِلٰهُكُمْ فجمعنا و إياهم إِلٰهٌ وٰاحِدٌ فما أشركوا إلا بسببه فيما أعطاهم نظرهم و من قصد من أجل أمر ما فذلك الأمر على الحقيقة هو المقصود لا من ظهر أنه قصد كما يقال من صحبك لأمر أو أحبك لأمر ولي بانقضائه و لهذا ذكر اللّٰه أنهم يتبرءون منهم يوم القيامة و ما أخذوا إلا من كونهم فعلوا ذلك من نفوسهم لا أنهم جهلوا قدر اللّٰه في ذلك أ لا ترى الحق لما علم هذا منهم كيف قال وَ إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ و نبهم فقال قُلْ سَمُّوهُمْ فيذكرونهم بأسمائهم المخالفة أسماء اللّٰه ثم وصفهم بأنهم في شركهم قَدْ ضَلُّوا ضَلاٰلاً بَعِيداً أو مبينا لأنهم أوقعوا أنفسهم في الحيرة لكونهم عبدوا ما نحتوا بأيديهم و علموا أنه لاٰ يَسْمَعُ وَ لاٰ يُبْصِرُ وَ لاٰ يُغْنِي عنهم من اللّٰه شيئا فهي شهادة من اللّٰه بقصور نظرهم و عقولهم ثم أخبرنا اللّٰه أنه قضى أن لا نعبد إلا إياه بما نسبوه من الألوهة لهم أي جعلوهم كالنواب لله و الوزراء كان اللّٰه استخلفهم و من عادة الخليفة أن يكون في رتبة من استخلفه عند المستخلف عليه فلهذا نسبوا الألوهة لهم ابتداء من غير نظر فيمن جعل ذلك و قول من قال أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلٰهاً وٰاحِداً إنما كان من أجل اعتقادهم فيما عبدوه إنهم آلهة دون اللّٰه المشهود له عندهم بالعظمة على الجميع فأشبه هذا القول ما ثبت في الشرع الصحيح من اختلاف الصور في التجلي و معلوم عند من يشاهد ذلك أن الصورة ما هي هذه الصورة و كل صورة لا بد أن يقول المشاهد لها إنها اللّٰه لكن لما كان هذا من عند اللّٰه و ذلك الآخر من عندهم أنكر عليهم التحكم في ذلك كما ثبت في قوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ هذا حقيقة فوجه اللّٰه موجود في كل جهة يتولى أحد إليها و مع هذا لو تولى الإنسان في صلاته إلى غير الكعبة مع علمه بجهة الكعبة لم تقبل صلاته لأنه ما شرع له إلا استقبال هذا البيت الخاص بهذه العبادة الخاصة فإذا تولى في غير هذه العبادة التي لا تصح إلا بتعيين هذه الجهة الخاصة فإن اللّٰه يقبل ذلك التولي كما