موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦١٤ - الثالث نظرية اتّحاد الحقوق والحكومة
الخلافات والقضاء على النزاعات والفوارق الطبقية بحيث يقال مع فرض وجود مجتمع خالٍ من الطبقية والاختلاف فإنّه لا يحتاج إلى الدولة «وبالطبع فهذه الفرضية خيالية ومخالفة للواقع» فإنّ إحدى الوظائف المهمّة للدولة، تعيين الأهداف العليا في مسيرة التنمية الاجتماعية والاقتصادية ووضع المقرّرات والتخطيط والبرمجة من أجل الوصول إلى تلك الأهداف والغايات في حركة الواقع الاجتماعي.
ومن الواضح أنّ الوصول إلى هذه الغايات وتحقيق هذه الأهداف لا يتسنى إلّامن خلال وضع قوانين وتعيين ورسم برامج مشخّصة مع إيجاد ضمانات إجرائية لها في دائرة التطبيق والممارسة، أي ضرورة وجود الحقوق والدولة في كلّ مكان يوجد فيه مجتمع بشريّ.
٣. إنّ ادعاء الماركسية بأنّ الاقتصاد يمثّل قاعدة تحتانية لجميع الأمور الأخرى كالدين والعقائد والثقافة والعلاقات الحقوقية والاجتماعية، غير صحيح، لأنّ لازم ذلك وجود تماثل في الدين والثقافة والعلاقات الحقوقية والاجتماعية في مختلف المجتمعات البشرية والتي تتّمتع بحالة اقتصادية متشابهة، في حين أنّ بطلان هذا المطلب إلى درجة من الوضوح والبداهة في جميع المجتمعات القديمة والمعاصرة لا يمكن إنكارها، من خلال ما نراه من تفاوت كبير في هذه الأمور بينها.
٤. وبالنسبة للنظام الحقوقي لبلد معيّن، فأيضاً لا يمكن بأيّ وجه أن تبتني جميع المقرّرات الحقوقية على أساس العلاقات الاقتصادية، لأنّه بالرغم من تأثير عامل الاقتصاد في بعض القوانين والمقرّرات كالملكية وعلاقات المؤجّر والمستأجر، والعامل وربّ العمل وأمثال ذلك، إلّاأنّ هذا المعنى لايرد في الكثير من المقرّرات الحقوقية الأخرى، كالأحكام والقوانين التي تتّصل بالأحوال الشخصية والزواج والاسرة وما إلى ذلك، فإنّ عامل الاقتصاد ليس له دور مهمّ في مثل هذه الأمور. وبعبارة أخرى: إنّ أتباع المدرسة الماركسية وقعوا في خطأ كبير بالنسبة لمعرفة الإنسان وتصوّروا أنّه كائن ذو بعد واحد ويتمثّل في البعد الاقتصادي من الطعام واللباس والمسكن وما إلى ذلك، في حين أنّ جميع مذاهب علم النفس و التجارب التاريخية والاجتماعية تؤكّد على أنّ النفس الإنسانية لها أبعاد مختلفة من دوافع وعواطف ورغبات متنوّعة بحيث إنّ الإنسان وفي كثير من هذه الموارد يضحّي بالمسائل الاقتصادية لتحقيقها وإرضائها. وينبغي الالتفات إلى أنّ الماركسية لا تدّعي تأثير عامل الاقتصاد في الجملة في الروابط الحقوقية وسائر الروابط الاجتماعية حتّى يقال أنّه بإمكانهم من خلال ذكر بعض الأمثلة الناقصة، إثبات ادّعائهم المذكور، بل إنّهم يعتقدون بأنّ الإقتصاد يمثّل الأساس والمحور لجميع أشكال التحوّلات الأخرى وأنّ كلّ تحوّل في الاقتصاد يؤدّي إلى إيجاد تحوّل في جميع الروابط والعلاقات البشرية الأخرى سواءً في دائرة الدين أم الثقافة أم الروابط الحقوقية والاجتماعية، وكذلك فإنّ كلّ تحوّل في الروابط والعلاقات المذكورة فإنّه ناشىء حتماً من تحوّل في الاقتصاد، والاقتصاد بدوره واقع تحت تأثير وسائل الإنتاج وما يحدث فيها من تغييرات.
هانْس كِلْسِن [١] (ولد في عام ١٨٨١): (نظرية الحقوق المحضة):
ينطلق عالم الحقوق النمساوي الشهير (هانس
[١].١ .Hans Kelsen .