موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٢ - النتيجة
تتّصل بالعلاقات الاجتماعية، تعمل كلّها على خلق مسائل مستحدثة لم يرد حكمها الشرعي بشكل صريح في نصوص الكتاب والسنّة، ولكنّنا نملك سلسلة من القواعد الكلّية والعمومات والإطلاقات الواردة في الكتاب والسنّة، يمكن من خلالها استنباط أحكام جميع هذه الموضوعات الجديدة، فعليه، لا نحتاج حينئذٍ إلى القياس والاستحسان الظنّي وأمثال ذلك في عملية الاستنباط ولا اللجوء إلى عرفية الأحكام الشرعية.
٣. إنّ الأحكام الإسلامية يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
أ) الأحكام التي أعلن عنها رسول اللَّه صلى الله عليه و آله والتي استقاها من الوحي الإلهيّ للموضوعات والروابط الاجتماعية السائدة في ذلك الوقت.
ب) الأحكام التي كانت متداولة في عصر الأنبياء السابقين في أقوامهم، وقد أمضاها الإسلام وجاء إمضاؤها في نصوص القرآن الكريم أو الروايات الإسلامية.
ج) الأحكام والمقرّرات التي كانت سائدة بين العقلاء على أساس سلسلة من المصالح المتوفّرة فيها وقد أقرّها الشارع المقدّس في الإسلام مع إجراء بعض التعديلات عليها أحياناً، وأحياناً أخرى بدون ذلك.
وهذه الأحكام هي التي يقال عنها أحكام إمضائية، وأمّا أحكام القسم الأول فهي أحكام تأسيسية. والقسم الثاني من الأحكام ربّما يقع ضمن الأحكام التأسيسية أيضاً من جهة معينة وضمن الأحكام الإمضائية من جهة أخرى، فهي تأسيسية لأنّها تنتهي إلى الوحي، حتى بالنسبة للوحي في الشرائع السابقة، وإمضائية من جهة أنّها كانت قبل الإسلام وقد أمضاها الإسلام.
٤. إنّ الإمضاء ربّما يكون بشكل صريح، من قبيل قوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» بالنسبة إلى المعاملات الاجتماعية، وربّما يكون من خلال السكوت وعدم النهي من قِبل الشارع، وهذا إنّما يكون في صورة حضور النبيّ صلى الله عليه و آله أو الأئمّة المعصومين عليهم السلام ولم يرد منهم النهي والردع عن هذه السيرة، وعلى هذا الأساس فكلّما وضعت أحكام ومقرّرات في عرف العقلاء في هذا العصر لم تكن في السابق، فإنّها لا تكون من جملة الأحكام الإمضائية ولا اعتبار لها شرعاً إلّاإذا وجدت أحكام مشابهة لها كانت في عصر الشارع المقدّس وأمضاها الشارع، وببيان آخر، إلّاأن تقع جوهرة هذا الحكم في قالب آخر، ومورد إمضاء الشارع.
٥. الأحكام المستنبطة من عمومات وإطلاقات الأدلّة والقواعد الكلّية في الشريعة للموضوعات المستحدثة، يمكن أن تكون أحكام إمضائية أو تأسيسية، وهذا المعنى يرتبط بكيفية استنباط ذلك الحكم من القواعد والعمومات والإطلاقات الواردة في النصوص، فإذا كانت تلك العمومات والإطلاقات والقواعد تملك بعداً تأسيسياً، فإنّ الفروع المستنبطة منها ستكون تأسيسية أيضاً، وإذا كانت تملك بعداً إمضائياً فإنّ الأحكام المتفرّعة عنها ستكون إمضائية أيضاً.
٦. إنّ تقسيم الأحكام إلى تأسيسية وإمضائية لا ينحصر بالأحكام الفقهية، بل يستوعب القواعد الأصولية مثل حجيّة خبر الواحد وظواهر الألفاظ والأصول العمليّة الأربعة، بل حتّى القواعد الفقهية التي تعتبر برزخاً بين المسائل الأصولية والمسائل الفقهية؛