موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٨ - ٣ الدلالة الالتزامية للكلام على إرادة المتكلّم
ب) ما هو مفهوم «الماء المطلق» وما مقدار غلظته وعدم خلوصه بحيث لا يتقاطع مع صدق «الماء المطلق» الذي يجوز الوضوء به؟
ج) ما معنى ومفهوم «الكفؤ» الذي يجب مراعاته في اختيار الزوج؟
وينبغي القول أنّ حجيّة العرف في فهم المراد من الكلمات مشروط باستمرار وامتداد هذا الفهم إلى زمن المعصومين ليقع بالتالي مصداقاً لتقريرهم وإمضائهم لهذا الفهم، لأنّه إذا كان لكلمة معنى خاصّ في العرف المعاصر وكانت تستخدم في زمان نزول القرآن بمعنى آخر، فلا تجوز الفتوى على أساس الفهم العرفي المعاصر لهذه الكلمة.
وأمّا في موارد الشكّ، فما يمكنه أن يحلّ المشكلة هو «أصل عدم النقل»، لأنّه إذا لم يعثر الفقيه، بعد الفحص والتتبّع في الشواهد الموجودة، على تغيير مفهوم اللفظ على امتداد التاريخ، فيجوز له، بالاستناد إلى أصل عدم النقل، يعني عدم انتقال المفهوم السابق إلى مفهوم آخر، أن يفتي على أنّ هذا المفهوم الحالي هو ما كان مفهوماً من هذه الكلمة في صدر الإسلام.
٣. الدلالة الالتزامية للكلام على إرادة المتكلّم
من قبيل حكم العرف بأنّه كما حكم الشارع بطهارة الخمر عندما يتبدلّ إلى خلّ، فهذا الحكم يملك دلالة عرفيّة على طهارة الإناء الذي كان الخمر موجوداً فيه.
إنّ بعض اختلافات فتاوى الفقهاء في الفقه يعود إلى اختلافهم في دائرة وحدود حجّية العرف في واحد من هذه الدوائر الثلاث، أو اختلافهم في شروط حجّيته (مثل شرط استمرار الفهم العرفي إلى زمن حياة المعصومين عليهم السلام) أو اختلافهم في معرفة نظر العرف ومصاديقه. مثلًا:
أ) إذا استأجر الوكيل منزل موكّله لمدّة أطول من المتعارف، مثلًا لمدّة ٤٠ سنة، فقد ذهب أبوحنيفة إلى جواز ذلك استناداً إلى إطلاق الوكالة، ولكن تلميذيه القاضي أبا يوسف والشيباني ذهبا إلى بطلان العقد، لأنّهما يعتقدان بأنّ أصحاب المنازل عندما يمنحون شخصاً وكالة لإجارة المنزل فإنّهم يتصوّرون مدّة أقلّ من ذلك عرفاً، ولا يفكّرون بإجارة المنزل لمدّة طويلة، فهذه المدّة الطويلة غير مقصودة للموكّلين، وفي مثل هذه الموارد يمكن الاستناد إلى الحجّية العرفيّة وبالتاليغ تقييد إطلاق الوكالة [١].
ب) بيع المعاطاة، يعني أن يتمّ تبادل الثمن والمبيع بين المشتري والبائع بدون قراءة صيغة البيع. وهذا النوع من المعاملة كان باطلًا على أساس الفقه الحنفي في بداية الأمر، لأنّهم قالوا: إنّ البيع الذي ورد تشريعه في القرآن والسنّة هو ما يقع باستعمال الصيغة، ولكنّهم بالتدريج التفتوا إلى وقوع المعاملة بالمعاطاة في العرف ولذلك سمحوا ببيع المعاطاة في المعاملات الجزئية.
وبعد مدّة أفتى فقهاء المذهب الحنفي بشرعية جميع أنواع بيع المعاطاة نظراً لوجود المعاملات المعاطاتية الثقيلة بين أهل العرف [٢].
وقد استند ابن قدامة الحنبلي في كتابه «المغني» [٣] و خطاب المالكي في «شرح الخطّاب» [٤] في هذه
[١]. أسباب اختلاف الفقهاء للزلمي، ص ٥١٢ نقلًا عن: تأسيس النظر، ص ٢٢.
[٢]. أسباب الاختلاف للزلمي، ص ٥١٢، نقلًا عن: تبيين الحقائق، ج ٤، ص ٤.
[٣]. المغني، ج ٤، ص ٥.
[٤]. شرح الخطاب، ج ٤، ص ٢٢٨.