موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٩ - ٢ جعل الخيار لغير طرفي المعاملة
الشريعة الإلهيّة في إقدامه على وضع القوانين.
وكذلك قال: إذا كان الاستحسان جائزاً في الشريعة، فإنّ كلّ شخص سيكون له فقه وشريعة خاصّة باسم اللَّه تعالى، وكلامه هذا إشارة الى فتوى أبي حنيفة التي تعود لبعض أقسام الشهادة على الزنا حيث قال: بالرغم من أنّه لاينبغي الرجم وفقاً للقاعدة ولكننا نستحسن رجمه». [١]
وقد ذهب الإمام الغزالي بدوره إلى أنّ الاستحسان يعتبر المنبع الموهوم الثاني للاستنباط [٢].
ويرى فقهاء الإماميّة: إذا كان الإدراك العقليّ لحسن وقبح عمل معيّن بدرجة القطع واليقين، فيمكن لهذا المجتهد الفتوى على هذا الأساس، وذلك لأصل
«الملازمة بين الحكم القطعيّ للعقل وحكم الشرع»
من قبيل حسن العدل والإحسان وقبح الظلم والجور، ولكن إذا كان إدراكه بمستوى الظنّ والاحتمال، فلا يمكن أن يكون دليلًا شرعياً للفتوى، لأنّه ورد في آيات متعدّدة من القرآن الكريم النهي الصريح عن اتّباع الظنّ وذمّ الذين يتّبعون الظنّ، مثل: «إِنَّ الظَّنَّ لَايُغْنِى مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً [٣]» [٤].
ولعلّ هذا هو المقصود في مصطلح بعض كتب الشيعة من عبارة «الذوق الفقهيّ» و «مذاق الشريعة» حيث يفتي الفقيه على هذا الأساس إذا حصل له يقين بذلك.
واللافت أنّه وردت تعاريف مختلفة ومتضادّة «للاستحسان»، وكذلك هناك اختلاف في نسبة الأقوال للمذاهب المختلفة [٥].
على أيّة حال فإنّ اختلاف الفقهاء في حجيّة الاستحسان يعتبر أحد أسباب اختلافهم في الفتاوى في الفقه، من قبيل:
١. حقّ الشفعة
إذا باع الشريك حصّته من الأرض المشتركة بدون علم شريكه، ففي الفقه الإسلامي والروايات الشريفة أنّ الشريك يملك حقّ الشفعة، وبإمكانه إبطال هذه المعاملة وشراء تلك الحصّة لنفسه، ولكن إذا باع الشريك حصّته من الثمار والمحصولات الزراعية، فنظراً لعدم وجود نصّ خاصّ في هذه المسألة، وقع خلاف بين فقهاء الإسلام.
فذهب فقهاء الإماميّة [٦]، والشافعية [٧] والحنبلية [٨] إلى أنّ حقّ الشفعة يختصّ بالأموال غير المنقولة، ولا يوجد هذا الحقّ في الثمار، لأنّ الأحاديث الواردة تثبت هذا الحقّ في الموارد غير المنقولة.
وقال مالك: في نظري أنّ حق الشفعة يرد أيضاً في الثمار والمحاصيل الزراعية من موقع الاستحسان ولا أتصوّر أنّ فقيهاً أفتى بهذه الفتوى قبلي، قال:
«استحسنه وما علمت أنّ أحداً قاله قبلي» [٩].
٢. جعل الخيار لغير طرفي المعاملة
من الأمور المسلّمة في الفقه الإسلامي والحقوق الإسلامية أنّ طرفي المعاملة يمكنهما جعل خيار فسخ المعاملة لأحدهما أو لكليهما، ولكن هل يمكنهما جعل
[١]. نفائس الأصول في شرح المحصول، ج ٩، ص ٤٢٠.
[٢]. المستصفى، ج ١، ص ٢٧٤.
[٣]. سورة يونس، الآية ٣٦.
[٤]. أنوار الاصول، ج ٢، ص ٥٣١.
[٥]. إرشاد الفحول، ج ٢، ص ١٨١؛ الأصول العامة، ص ٣٦٣.
[٦]. الخلاف للطوسي، ج ٣، ص ٤٢٦.
[٧]. المهذب في فقه الشافعي، ج ٣، ص ٤٤٦.
[٨]. نيل المأرب، ج ٣ و ٤، ص ٢٦٤.
[٩]. بلغة السالك لأقرب المسالك على الشرح الصغير، ج ٣، ص ٤٠٥.