موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٧ - ١ إنّ العناوين الثانويّة على قسمين
تكون مشخصة معيّنة بالكامل، وبالطبع فإنّ ذلك ليس بعهدة الفقيه، فالفقيه يصدر فتواه على موضوع كلّي، وعلى المقلِّد أن يتعرّف على مصاديقه في الخارج.
ولكنّ المجتهد الذي يملك مقام ولاية الأمر يتصدّى من هذه الجهة لتطبيق الحكم الاضطراريّ على الموضوع ويصدر حكماً خاصّاً بذلك، ولكن لا من جهة كونه مفتياً، بل من جهة كونه وليّ الأمر كما رأينا في الحكم المعروف للميرزا الشيرازي الكبير بالنسبة لتحريم استعمال التبغ وأنّ التدخين في حكم الحرب مع الإمام المهديّ عليه السلام، مع أنّ جذور هذا الحكم كليّ، والحقيقة هي «أنّ كلّ شيء يؤدّي إلى ضعف المسلمين وتقوية أعداء الإسلام فهو حرام من باب مقدّمة الحرام أو الإعانة على الإثم» وأمّا تطبيق هذه الفتوى على خصوص استعمال التبغ في ذلك الزمان فهو من باب إعمال ولاية الفقيه وحكمه بتلك الفتوى.
وبديهي أنّ في القسم الأول من العناوين الثانوية هي الضرورات التي تعدّ أموراً استثنائية وغير قابلة للدوام والبقاء، حيث يمكن أن تقع مورد حاجة في برهة زمانية معينة، وإن كانت تختلف من حيث المدّة الزمنية، فبعضها يستغرق وقتاً أطول وبعضها الآخر أقلّ، ويتبيّن من هذا البحث أنّه لا يمكن تقنين القوانين على أساس الضرورات لمدّة زمنية طويلة، لأنّ معنى هذا أنّ عصر الشريعة قد ولىّ وانتهى، وأنّ الأحكام الأولية في الإسلام غير قابلة لإدارة شؤون الحياة في الواقع الاجتماعي، ومن هنا كانت القوانين الاستثنائية ناشئة من الضرورات وأشكال الإضطرار، حيث يلجأ إليها الإنسان في حالات استثنائية، وبعبارة أخرى أنّ جميع الأحكام الثانوية تدور حول موضوعاتها، وفي كلّ وقت ينتفي ذلك الموضوع فإنّ الحكم ينتفي أيضاً، وموضوع الضرورة والاضطرار هو أمر عارض في حياة الإنسان وعادة ينتهي أمده بعد مدّة معينة، ولهذا لا يمكن بناء أساس الأحكام الدينية والشرعية عليها، لأنّ ذلك لا يتناسب مع خاتميّة الدين الإسلاميّ، ومثل هذه الأحكام غير قادرة على إدارة أمور الإنسان وحلّ مشاكله في واقع الحياة.
وببيان ثالث: أحياناً يعيش البلد مشاكل وأزمات معيّنة بحيث يضطرّ الحكّام لحلّ هذه الأزمات من الاعلان عن حالة الإنذار القصوى أو إعلان الأحكام العرفية، والحال إذا عاشت البلاد في مثل هذه الحالات الاستثنائية أمداً طويلًا وأرادت الحكومة أن تدير البلد وفق مقرّرات هذه الحالة الاستثنائية، فهذا يشير إلى أنّ هذه الحكومة قد انتهى أمدها وأصبحت تسير في خطّ النهاية، لأنّ الإعلان عن الأحكام العرفية إنّما يكون مقبولًا إذا كان في إطار محدود وزمن مؤقّت، وهكذا في الحالات الاستثنائية للمرضى والمصابين، فإنّه يستفاد من أجهزة التنفس الصناعي لعلاج هذه الحالة الخطرة، فلو تقرّر أن يستخدم المريض جهاز التنفس الصناعي دائماً فهذا يدلّ في الواقع على نهاية عمره بحيث يضطرّ إلى إدامة حياته من خلال استخدام هذه الوسيلة. وهكذا في مسألة الاضطرار والضرورة في أحكام الشرع، فإنّ الضرورات تختصّ بموارد محدودة، وإذا تقرّر أن يستخدم الدين أو الشريعة هذا العنوان أو سائر العناوين الثانوية الأخرى بصورة دائمية، فهذا يدلّ على أنّ قوانين هذه الشريعة (أي القوانين الصادرة بالعناوين الأولية) قد فقدت مفعولها، فهذه الشريعة ليست غير خالدة فحسب بل ستفقد مفعولها بعد مدّة وتكون قاصرة عن الإستجابة لمتطلّبات الحياة.