موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨ - مفردة الفقه في الثقافة القرآنية
لشيءٍ فهو فقه، ثمّ اختصّ ذلك بعلم الشريعة»
لا أنّه في مقام بيان المعنى الدقيق للفقه واختلاف هذه الكلمة مع العلم. والشاهد على هذا المدّعى ما ورد في الجملة الثالثة من كلامه حيث يقول:
«و أفهمتك الشيء: بيّنته لك»
يعني أنّه أراد بكلمة «إفهام» معنى «التبيين» ومن الواضح أنّ تبيين مسألة معيّنة أكثر مضموناً من مطلق التعليم لهذه المسألة.
ثانياً: صرّح بعض اللغويين في تفسيرهم لمفردة «فقه» بأنّه ليس مطلق العلم والإدراك، بل إدراك مقترن بنوع من الاستنتاج، والتعمّق، والتأمّل والتدبّر في الكلام:
ألف) يقول الراغب الاصفهاني (م ٤٢٥): «إنّ الفقه هو التوصّل إلى علم غائب بعلم شاهد» [١].
ب) وكتب أبوهلال العسكري (م ٣٩٥): «إنّ الفقه هو العلم بمقتضى الكلام على تأمّله وتقول
«تفقّهْ ما أقوله»
أي تأمّله لتعرفه» [٢].
ج) ويقول ابن الأثير (م ٦٠٦) في «النهاية»: «والفقه في الأصل: الفهم، واشتقاقه من الشقِّ والفتح» [٣].
د) ويقول الهروي (م ٤٠١): «الفقه حقيقته الشقّ والفتح، والفقيه الذي يشتقّ الكلام» [٤].
ويبدو على أساس هذه العبارات أنّ أبا إسحاق المروزي (م ٣٤٠) يرى في تعريف الفقه أنّه
«فهم الشيء الدقيق» [٥]
ومن خلال ما تقدّم من توضيح العلاقة بين المعنى اللغوي «فهم» يتّضح أنّ إشكال «الزركشي» (م ٧٩٤) الذي قال:
«إنّ مختار المروزي مع كلام أرباب اللغة وهو أنّ الفقه يعني مطلق الفهم، مردود»، [٦] غير وارد.
وأيضاً على هذا الأساس صرّح بعض المحقّقين اللغويين المعاصرين:
«إنّ الأصل في المادّة (فقه) هو فهم على دقّةٍ وتأمّل» [٧].
وبالرغم من أنّ الأنسب في هذه الموارد هو استخدام مفردة إدراك أو علم بدل مفردة فهم لأنّه كما تقدّم فإنّ مادة «فهم» تستبطن في ذاتها نوعاً من الدقّة والتأمّل، وهذه النقطة هي ما أشار إليها أو صرّح بها هذا المحقق فيمادة «فهم» [٨].
مفردة الفقه في الثقافة القرآنية:
من خلال ملاحظة مجموع الآيات التي وردت فيها مفردة الفقه ومشتقّاتها نحصل على عدّة أمور:
أ) إنّ الفقه في الثقافة القرآنية جاء بنفس المعنى اللغوي، أي بمعنى البصيرة والدقّة والإدراك الدقيق رغم أنّ البعض [٩] تصوّر أنّ كلمة الفقه في بعض الآيات القرآنية من قبيل: «قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ» [١٠] جاءت بمعنى مطلق العلم، في حين أنّه في مثل هذه الموارد جاءت كلمة الفقه أيضاً بمعنى الفهم الدقيق، لأنّ هؤلاء القوم لم يكونوا بحيث لم يفهموا كلام شعيب، بل إنّهم بالرغم من فهمهم لظاهر كلامه في مسائل المبدأ والمعاد والقيم الأخلاقية وغيرها، إلّاأنّهم بسبب سيطرة الشهوات والنوازع النفسانية لم يتمكّنوا
[١]. مفردات الراغب، مادّة «فقه».
[٢]. الفروق اللغوية، الفرق بين العلم و الفقه، ص ٤١٢.
[٣]. النهاية، مادّة «فقه».
[٤]. الغريبين، (المخطوط) ج ٢، ص ١٢٦ (نقلًا عن موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهلالبيت، ج ١، ص ١٨).
[٥]. المنثور في القواعد، ج ١، ص ١.
[٦]. المصدر السابق.
[٧]. التحقيق في كلمات القرآن الكريم، مادّة «فقه».
[٨]. المصدر السابق، مادّة «فهم».
[٩]. كان هذاالنقض من قِبل الزركشي في المنثور في القواعد، ج ١، ص ٢.
[١٠]. سورة هود، الآية ٩١.