موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٧ - أقسام تغيير الموضوعات
وَضَرَبَ بِجِرانِهِ فَامْرُؤٌ وَمَا اخْتارَ» [١].
وهذا يشير إلى أنّ تغيّر الظرف الزماني يؤدّي إلى تغيّر الحكم الشرعيّ.
تقدّم كان بمثابة خمسة أمثلة على أنّ تبدّل الموضوع يستدعي تبدّل الحكم، وهذا المطلب يعتبر مفتاحاً أصلياً لحلّ الكثير من المسائل المستحدثة.
وبديهيّ أنّ هذه الأمثلة الخمسة ليست لها خصوصية بحدّ ذاتها ولا تنحصر الأمثلة بها.
وخلاصة الكلام: إنّ أحكام الشرع المقدّس ثابتة على امتداد الزمان والعصور ولا تتغيّر، وإنّ عنصر الزمان والمكان لا يعمل على تغيير هذه الأحكام، لأنّ الحلال الشرعيّ حلال دائماً والحرام حرام دائماً.
ولكن الموضوعات العرفيّة هي التي تواجه التغيير المستمرّ، وعندما يتغيّر الموضوع فإنّ الحكم يتغيّر تبعاً له.
إنّ تغيير وتبدّل الموضوع بدوره على أقسام مختلفة:
فتارة يكون على شكل تبدّل ماهية الموضوع، وأخرى على شكل تغيير في أوصافه الخارجية، وثالثة يحدث التغيير في دائرة الأمور الاعتبارية. والمراد تأثير الزمان والمكان في عملية الاجتهاد هو هذا المعنى [٢].
التفسير الثالث: في بيان كيفية تأثير الزمان والمكان في طبيعة الاجتهاد، هو أنّ التغييرات الواقعة في دائرة الزمان والمكان تؤدّي أحياناً إلى انتباه الفقيه إلى وجود مسائل جديدة، وتقود فكره وذهنه باتّجاه التحقيق والتأمّل في هذه المسائل، وبالتالي يلتفت إلى وجود بعض الأمور في عمق هذه الموارد التي لم يلتفت لها القدماء. وخاصّة بعد تشكيل الحكومة الإسلامية في ايران وظهور مستجدات خاصّة في إطار المتغيرات الاجتماعية والسياسية، وبالطبع فإنّ هذا لا يعني أنّ الفقيه إذا كان يعيش خارج دائرة الزمان والمكان فإنّه يملك أفكاراً وآراءً خاصّة، وعندما يدخل هذه الدائرة فإنّ جميع أفكاره وآرائه سيصيبها التحوّل والتغيير، بل المقصود أنّ هذا الفقيه سيدرك بشكل أفضل حاجات ومصالح النظام الإسلامي والامّة الإسلامية حسب ما يُمليه الوضع الجديد عليه.
على سبيل المثال فإنّ الفقيه كان يرى أنّ تحصيل العلم، سواءً كان من العلوم الدينية أم الدنيوية، يعدّ واجباً كفائياً، ولكنّه في هذا العصر يراه واجباً عينياً.
لأنّه وجد أنّ المسلمين يحتاجون بشدّة إلى خبراء في الفقه ملتزمين يعملون على تدبير أمور المسلمين الدنيوية والدينية، ومن الواضح أنّ أفراد المجتمع إذا كانوا يعيشون الأُمّية والتخلّف العلمي فإنّهم سيبقون في دائرة المجتمعات المتخلّفة ولا ينالون حظّاً من التحضّر والرقيّ والتقدّم، وبديهيّ أنّ اللَّه ورسوله صلى الله عليه و آله والأئمّة المعصومين عليهم السلام لا يرضون ببقاء المسلمين في حالة الذلّة والضعف والتخلّف.
وعلى هذا الأساس فإنّ المجتهد يفتي حينئذٍ بالوجوب العينيّ بتحصيل العلم والمعرفة، ويصدر حكم الجهاد ضدّ الجهل والامّية والتخلّف ليتحرّك كلّ مسلم بحسب طاقته وقابليته إلى التصدّي لظاهرة الجهل والأُمّية ويتحرّك باتّجاه فضاء العلم والمعرفة والتقدم.
وعلى هذا الأساس فإنّ عنصر الزمان يلفت نظر المجتهد إلى وجود ضرورات جديدة في حركة الحياة والواقع، ويؤدّي بالتالي إلى تغيير فتواه.
[١]. نهج البلاغة، الحكمة ١٧.
[٢]. ورد بحث مفصّل في هذا الكتاب حول تأثير الزمان والمكان في الأحكام (انظر إلى بحث «دور الزمان والمكان في الاستنباط»، ص ٢٥١).