موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٧ - ٨ اقتران الفقه الإسلامي بالحكومة بشكل كامل
على والديه ومجتمعه و دولته في الحضانة والتربية والرّعاية المادّية والأدبيّة. على المجتمع والدولة حماية الأمومة وتعهّدها برعاية خاصة» [١].
ولكنّ ترتيب وتنظيم هذه المسألة وتهيئة الأدوات اللازمة لتحقيق هذا الأمر لا يتيسّر بدون إشراف الحكومة. ولهذا السبب فإنّ وزارة التربية والتعليم تعدّ في عصرنا الحاضر من أهم الوزارات في الحكومة، وإن لم تكن في السابق بهذا المستوى من الأهمّية ولكن مع ذلك فإنّ الحكومات كانت تتحرّك على مستوى الإشراف على أمر التعليم والتربية في المدارس، بل حتّى في المساجد، ومعلوم أنّ هذه العملية التربوية لا تصل إلى غايتها النهائية بدون إشراف السلطة وتأمين نفقاتها الضرورية من قِبل الجهاز الحكومي.
ويقرّر القرآن الكريم أنّ مسألة التعليم والتربية هي من مهمّات وظائف النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله، وبعبارة أخرى هذه المسألة تعتبر من أهداف وغايات البعثة والوحي، حيث يقول: «هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ» [٢].
فهل يمكن تحقيق هذا الهدف الكبير والمقدّس وتجسيده في واقع المجتمع وفي جميع أبعاده بدون تخطيط كامل وإشراف حكومي؟ وهل يمكن التحرّك على مستوى إقامة جهاز تربوي يستوعب في برنامجه جميع مفاصل المجتمع بدون تشكيل حكومة؟
ونقرأ في «نهج البلاغة» أنّ الإمام عليّاً عليه السلام قال:
«أيُّها النّاسُ إنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً وَلَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ».
ثمّ يقول في بيان حقوق الناس على الوالي ورئيس الحكومة:
«وتَعْلِيمكُم كَيْلا تَجْهَلوا وَتأدِيبكُم كَيْما تَعْلَمُوا» [٣].
ج) بالنسبة للمسائل الحقوقية والعلاقات الاقتصادية بين أفراد المجتمع والتي تمثّل مجموعة المعاملات والعقود المالية التي وردت فيها أحكام شرعية كثيرة في الإسلام مذكورة في كتاب البيع وكتاب الإجارة وكتاب الوصية وكتاب الوقف وكتب أخرى كثيرة.
ومعلوم أنّ تنظيم هذه الأمور وكذلك رفع الخلافات والنزاعات فيما يتّصل بها وإجراء هذه الأحكام الإسلامية بشكل صحيح وبعيد عن الإرباك والهرج والمرج لا يتيسّر بدون تدخل السلطة. وعلى هذا الأساس فلابدّ من الإذعان إلى أنّ هذا القسم من الأحكام الفقهية يستدعي بدوره تشكيل الحكومة لتحقيقه على أرض الواقع.
يقول الدكتور وهبة الزحيلي: «كما أنّ هذا المبدأ مقيّد بالرقابة الحازمة للدولة وإشراف الحاكم على النشاط العام وتوجيهه وجهة تتمشّى مع حفظ المصالح العامّة ومنع الضرر عن الجماعة، حسبما يقدر الإقتصاديون المتخصصون، قال اللَّه تعالى: «يا أَيّها الّذِينَ آمنُوا أطيعُو اللَّهَ وأَطِيعُوا الرّسُولَ وأولِي الأمرِ مِنْكُم» [٤] وأولو الأمر هم الحكّام والعلماء المتخصّصون، فما يقرّره أهل الخبرة واجب الطاعة لحماية الامّة، والحفاظ على كيان الدولة ولتحقيق مبدأ التوازن الاجتماعي الإسلامي على وفق ما تقرّره الشريعة» [٥].
٤. السلسلة الرابعة من الأحكام الفقهية التي لا تملك مسؤولًا خاصّاً عن تحقيقها في المجتمع، ومن الطبيعي أن تقع مسؤولية ذلك بعهدة المؤسسات والمراكز
[١]. الفقه الإسلامي وأدلّته، ج ٨، ص ٦٤٥٠.
[٢]. سورة الجمعة، الآية ٢.
[٣]. نهج البلاغة، الخطبة ٣٤.
[٤]. سورة النساء، الآية ٥٩.
[٥]. الفقه الإسلامي وأدلّته، ج ٧، ص ٤٩٨٦.