موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٦ - ١ تعريف الحكم وأقسامه
والعشرين تعتبر أكمل القوانين ولا تحتاج إلى تغيير وإصلاح بعد ذلك؟ إنّ المقنّنين أنفسهم يجيبون عن هذا السؤال بالسلب، ويرون أنّه لا يمكن الكلام عن قانون نهائي إطلاقاً، بل إنّ حركة التقنين تنطلق في خطّ عملية الاستفادة من الأخطاء والتجربة، حالها حال سائر القرارات التي يتّخذها الإنسان في معيشته وحياته، أي أنّ الإنسان يجرّب طرقاً مختلفة، وبعد أن يتبيّن له الخطأ في هذه الطرق يقوم بإصلاحها، ثمّ يتحرّك على مستوى تجربة هذه الإصلاحات للعثور على مكامن الخطأ فيها وهكذا تتكرّر هذه المحاولات باستمرار، وعلى هذا الأساس فإنّ الإنسان يعترف بقصور عقله عن التوصّل إلى قانون كامل.
إنّ نبيّ الإسلام صلى الله عليه و آله الذي يمثّل نبيّاً لأكمل دين وخاتم الأديان الإلهية، تحرّك من موقع تحرير الإنسان من الأفكار الباطلة وقيود الآراء الموهومة والعقائد الزائفة، وقام بهداية عقل الإنسان من خلال الاستمداد من الوحي إلى أفضل وأكمل القوانين، كما تحدّث القرآن الكريم عن صفة النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله: «يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ» [١].
من الواضح تماماً في دائرة العقل أنّه لا أحد يمكنه وضع قانون كامل لتنظيم حياة الإنسان وتوفير السعادة الدنيوية والأخروية له سوى خالق الإنسان الذي يعلم بتفاصيل وجزئيات وجود الإنسان ومطّلع على مبدئه ومعاده.
وبعبارة أخرى: إنّ العقل يدرك أنّ المقنّن الكامل ينبغي أن يتمتّع بمميزات وخصائص معيّنة:
١. علم واسع ومحيط بجميع أبعاد الإنسان وخصائصه الجسمية والروحية، حيث يوفّر بذلك سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.
٢. عدم وجود البخل في إراءة طريق السعادة للإنسان.
٣. عدم ترجيح منافعه ومصالحه الشخصية أو الفئوية عند التقنين، وبعبارة أخرى، لزوم رعاية العدالة بشكل كامل.
ومن الواضح أنّ هذه الخصوصيات متوفّرة بشكل كامل في اللَّه تعالى فقط، ولذلك فهو الوحيد الذي له صلاحية وضع القوانين الثابتة والدائمية للإنسان كما صرّح القرآن الكريم بذلك في قوله: «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للَّهِ» [٢].
وربّما يعبّر عن هذا الموضوع أحياناً بالتوحيد في مقام التشريع.
بعد الوقوف على النقاط المذكورة، يطرح سؤال مهمّ في هذا المجال وهو أنّه مع الأخذ بنظر الاعتبار، التحوّلات والتغيّرات الواقعة في حياة الإنسان وحاجاته على امتداد القرون والأعصار، مع النظر إلى كثرة الوقائع اللامتناهية للإنسان، فكيف يمكن أن تستجيب القوانين الشرعية الثابتة والمحدودة لجميع هذه الحاجات الكثيرة؟
وفي مقام الجواب عن هذا السؤال، نرى من اللازم في البداية بيان عدّة مفاهيم:
١. تعريف الحكم وأقسامه
يطلق الحكم الشرعيّ على مجموعة الأوامر
[١]. سورة الأعراف، الآية ١٥٧.
[٢]. سورة يوسف، الآية ٤٠.