موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٤ - ٢ تحديد المذاهب الإسلامية في أربعة مذاهب
في ظلّ تعاليم الإسلام؟».
فأجاب ذلك العالم الجليل بقوله:
«... إنّ الشريعة الإسلامية حينما أباحت الطلاق نظرت إليه كآخر دواء وذلك بعد أن اتّخذت من الوسائل الإيجابيّة ما يقي الحياة الزوجية شرّ التدهور والانحلال، وحسبنا في هذه الظاهرة أن نتفهّم هذه الوسائل وأن نأخذ أنفسنا بها ونربّي أبناءنا عليها. ونحن إذا تعرّفنا الأسباب الواقعية التي ترجع إليها كثرة الطلاق المزعومة، ثمّ بذلنا الجهد في القضاء عليها بما وضعته الشريعة، لسلمت الأسرة ما يحدّدها في وقائها وسعادتها وسلمت الشريعة من النقد في تشريع الطلاق.
وإنّ من يمعن النظر في أسباب الطلاق ليجدها على كثرتها ترجع إلى سببين رئيسيّين.
أحدهما: إهمال الوصايا الدينيّة فيما يتعلّق بتكوين الأسرة وسلامتها بعد تكوّنها، من الشقاق بين الزوجين.
وثانيهما التزام مذاهب معيّنة في الحكم بوقوع الطلاق بالنظر إلى ألفاظه وبالنظر إلى الحالة التي يكون عليها الزوجان، بينما نجد مذاهب أخرى قويّة لا ترى وقوعه في كثير من الحالات ولا بكثير من الألفاظ، أيّ أنّها تضيّق دائرة وقوعه إلى حدّ يجعله كما شرّعه اللَّه ....
وعلى هذا فلا نحكم بوقوع الطلاق إلّاإذا كان مرّة مرّة وكان منجّزاً مقصوداً للتفريق في طهر لم يقع فيه طلاق ولا إفضاء وكان الزوج بحالة تكمل فيها مسؤوليّته.
وبهذا لا نحكم بوقوع الثلاث دفعةً واحدةً إذا قال: أنتِ طالق ثلاثاً. ولا نحكم بوقوع الطلاق إذا كان معلّقاً كأن يقول: إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق وهو لا يحبّ الطلاق ولا يريده» [١].
وهنا ينبغي الالتفات إلى أنّ هذا المفتي المصري الكبير قد اقتبس فتواه المذكورة من مذهب الشيعة الإمامية الذين يرون بطلان الطلاق بالثلاث ويرون وقوع طلاق واحد فقط، في حين أنّ فقهاء المذاهب الأربعة يتّفقون على صحّة الطلاق بالثلاث في مجلس واحد ويتعاملون معه معاملة ثلاث طلاقات.
وأيضاً فإنّ فقهاء الشيعة يرون بطلان الطلاق المعلّق المشروط بشكل عامّ ويعتقدون بأنّ الطلاق يجب أن يقع بصورة منجّزة وفي طهر غير طهر المواقعة.
وعلى هذا الأساس فإنّ الظروف الاجتماعية لهذا الفقيه الحاذق جعلته يغيّر من فتواه السابقة ويقتبس حكماً شرعياً آخر من مذهب ينسجم تماماً مع الظروف الفعلية.
٢. تحديد المذاهب الإسلامية في أربعة مذاهب
أنّ كثرة الفتاوى والفقهاء في القرون الأولى للإسلام، أدّى إلى وقوع حالة التشتّت والاختلافات الشديدة في واقع المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت، وقد خلق هذا الأمر هاجساً وقلقاً لدى الفقهاء من جهة، ولدى الحكّام من جهة أخرى، حيث اتّفقوا أخيراً على حصر المذاهب بهذه المذاهب الأربعة رغم أننا نعتقد بعدم وجود دليل مقبول على حصر المذاهب بهذا العدد، ولاسيما بإبعادهم مذهب أهل البيت عليهم السلام عن واقع المسلمين، إلى أن تحرّك في القرن الأخير مفتي الديار المصرية الكبير، الشيخ محمود شلتوت وأعلن بصراحة عدم وجود دليل قاطع على حصر المذاهب، وبالإمكان التعبّد بمذهب الإمامية في فروع الفقه الإسلامي.
وبالطبع فإنّ بروز المشكلات الاجتماعية بسبب حصر المذاهب في أربعة قد أثّر بدوره في تقبّل المذهب الخامس، أي التعبّد بمذهب الإمامية.
[١]. الفتاوى محمود شلتوت، ص ٣٠٧- ٣١٠ مع تلخيص يسير.