موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٠ - ٥ الروايات التي تعلم طريق الاجتهاد والاستنباط
وفي حديث آخر عن مفضّل بن مزيد قال: قال أبو عبداللَّه الإمام الصادق عليه السلام:
«أنْهاكَ عَن خَصْلَتَيْنِ فِيهِما هَلَك الرِّجالُ: أنْهاكَ أن تَدِينَ اللَّهَ بالباطِلِ وتُفتي النّاسَ بِما لا تَعْلَمُ» [١].
ويفهم من هذا الحديث جواز الفتوى والاجتهاد إذا كان مقترناً بالعلم والاطّلاع، وأنّ الفتوى بدون علم هي من قبيل عبادة اللَّه بطريق باطل.
٥. الروايات التي تعلم طريق الاجتهاد والاستنباط
أ) يقول عبدالأعلى مولى آل سام: قلت لأبي عبداللَّه الإمام الصادق عليه السلام:
«عَثَرتُ فَانْقَطَعَ ظُفْري فَجَعَلتُ عَلى إِصبَعِي مَرارَةً فَكيفَ أَصْنَعُ بِالوُضوءِ؟ قال عليه السلام: يُعرَفُ هَذا وَأَشباهُهُ مِنْ كِتابِ اللَّهِ «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» [٢] إمسَح
عَليهِ» [٣].
وهذا الحديث يبيّن للراوي أنّه إذا رجع في هذه المسألة للقرآن الكريم فإنّه سيجد جوابها، لأنّه إذا كان المسح على البشرة غير مقدور له، فإنّه بحكم قاعدة «لا حرج» المستفادة من الآية الشريفة لا يسقط أصل المسح، وهذا المعنى ليس سوى تعليم طريقة الاجتهاد لهذا الراوي.
ب) عن زرارة بن أعين [٤] عن أبي جعفر الإمام الباقر عليه السلام قال
«لَا يَنْبَغِي نِكاحُ أهْلِ الكِتَابِ، قلتُ: جُعِلتُ فِداكَ وأينَ تَحرِيمُه- يَعني مِنَ القُرآنِ- قال: قَولُه:
«وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ» [٥]» [٦].
ويشير هذا الحديث إلى كيفية استخراج الفروع من الآيات القرآنية.
ج) عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر الإمام الباقر عليه السلام:
«إنّ المَسْحَ ببَعضِ الرّأسِ وبَعضِ الرِّجْلَينِ؟
فَضَحِكَ عليه السلام وقال: يا زُرارَة! قالَه رسولُ اللَّه صلى الله عليه و آله، ونَزَل بِه الكِتابُ مِنَ اللَّهِ، لأنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ قال:
«فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم»،
فعَرَفنا أنّ الوَجْهَ كُلّه يَنْبَغِي أن يَغْسِلَه».
ثُمَّ قال:
«وأيْدِيَكُمْ إلى المَرافِقِ»
فَوَصَلَ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ بِالوَجْهِ فَعَرَفْنا أنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمَا أن يُغْسَلا إلى المِرْفَقَيْنِ، ثُمّ فَصلَ بَينَ الكَلامِ فَقال:
«وَامْسَحُوا بِرُؤوسِكُم»
فَعَرفْنَا حَيثُ قَالَ:
«بِرُؤوسِكُمْ»
أنَّ المَسْحَ بِبَعْضِ الرّأسِ لِمَكانِ البَاءِ، ثُمّ وَصَل الرِّجْلَيْنِ بِالرّأسِ كَمَا وَصَلَ الْيَدَيْنِ بِالْوَجْهِ فَقَالَ:
«وَ أَرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْنِ» [٧]
فَعَرَفْنَا حِينَ وَصَلَهُما بِالرّأسِ أنَّ المَسْحَ على بَعْضِهِما ...» [٨].
ونرى بوضوح أنّ هذه الرواية في صدد تعليل كيفية الاستنباط والاجتهاد لزرارة، فلو كان الاستنباط غير جائز، لكان الإمام إمّا أن يقول له: إنّ هذا حكم تعبّدي ولا ينبغي لك السؤال عن دليله، أو يقول: نحن نفهم من الآيات هذا المعنى ولكن ليس لك الحقّ في أن تستفيد من الآية كذلك، ولم يعلّمه طريق الاستنباط.
[١]. وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ١٠، ح ٢.
[٢]. سورة الحجّ، الآية ٧٨.
[٣]. الكافي، ج ٢، ص ٣٣.
[٤]. قال ابن النديم: كان زرارة من أجلّ الشخصيات الشيعية في الفقهوالحديث والعلم بالكلام ومذهب التشيع. اعتبره النجاشي من كبار أصحاب الإمامية ومن متقدّميهم في عصره. وكان قارئاً للقرآن، وفقيهاً، متكلّماً، شاعراً وأديباً. وقد اجتمع فيه الفضل والدين. وقد روى ما رواه جميعاً عن الإمام الصادق عليه السلام. (تذكرة الأعيان، ص ٢٤؛ تاريخ آل زرارة، ج ١، ص ٢٤ و ج ١، ص ٢٧ وص ٣٧؛ الفهرست لابن النديم، ج ١، ص ٣٠٨؛ رجال النجاشي، ص ١٧٥، الرقم ٤٦٣).
[٥]. سورة الممتحنة، الآية ١٠.
[٦]. الكافي، ج ٥، ص ٣٥٨؛ وسائلالشيعة، ج ١٤، ص ٤١١؛ بحارالأنوار، ج ٢، ص ٢٧٩.
[٧]. سورة المائدة، الآية ٦.
[٨]. الكافي، ج ٣، ص ٣٠.