موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٢١ - ١ المذهب الوضعي الاجتماعي
المقنّنين هو العمل على هداية المجتمع من خلال وضع القوانين المناسبة في خطّ التكامل والتقدّم والفضيلة.
وبالطبع فهناك اختلاف في آراء العقلاء على مستوى معرفة مصداق الكمال والتقدّم، إلّاأنّه لا يوجد اختلاف بينهم في أصل ضرورة تحقيق التكامل والتقدّم في أجواء المجتمع. وأساساً فإنّ الإنسان يتحرّك دائماً، لا في وضع القوانين فحسب، بل في جميع أعماله وسلوكيّاته، في سبيل تحقيق السعادة و الكمال الأخلاقيّ والمعنويّ وإلّا فإنّ حياته ستكون فارغة وعديمة المعنى. إنّ صياغة الوجدان العام لابدّ أن تقوم على هذا الأساس أيضاً، ومن هنا نرى أنّ جميع المقنّنين، حتّى أتباع هذه المدرسة، يتحرّكون في وعيهم وسلوكيّاتهم على أساس هذا الفهم الفطريّ وبدون الالتفات إلى عدم مطابقته للأصول المقرّرة في مذهبهم ويصرّحون بأنّه «إذا تقرّر منع السرقة والعدوان على الآخرين فهو من أجل أنّ هذه الجرائم تتقاطع مع ظروف الحياة الاجتماعية وحركتها في طريق الكمال والرقيّ والفضيلة» [١].
وبديهيّ أنّ الحركة في خطّ التقدّم والكمال لا معنى لها بدون لحاظ الغاية العليا للكمال البشريّ. ومن هنا نشاهد أنّ المفكّرين في المجتمع البشريّ يعيشون دائماً هذا الهاجس، وينطلقون في عملية صياغة الوجدان العام من خلال رفع المستوى الثقافي لأفراد المجتمع والقيام بإصلاحات أساسية للأخطاء وأشكال الخلل المحتملة في عملية التقنين للوصول إلى وضع قوانين أكمل وأفضل.
ويقول أحد علماء الحقوق الفرنسيين، ويدعى روبيه، بالنسبة لوجود أهداف عليا لكلّ مجتمع بشريّ والتحرّك للوصول إلى هذه الأهداف والغايات:
«لا ينبغي الغفلة عن هذه الحقيقة، وهي أنّ الغاية العليا للمجتمع تتمحور حول الإنسان نفسه، أي أنّ هدف المجتمع توفير السعادة للإنسان، لا أنّ الإنسان يجب عليه توفير السعادة للمجتمع، ولا ينبغي الغفلة عن أنّ الفلاسفة من أتباع سقراط كانوا يتصوّرون أنّ الأصل هو المجتمع، ولذلك كانوا يرون مشروعية الرقّ خلافاً للغايات العليا التي كانوا يعتقدون بها [٢].
٣. الإشكال الآخر على المذهب الوضعيّ الإجتماعيّ هو عدم اهتمامه بدور الدولة في توفير ضمانات إجرائية للقوانين والقواعد الحقوقية، ومن الواضح أنّ الدولة ومن خلال أدوات السلطة التي تملكها، تعمل على جعل القواعد الحقوقية ملزمة للأفراد، فإذا تصوّرنا أنّ القواعد الأخلاقية ناشئة في عملية الإلزام من الوجدان العام كما يقول أتباع المذهب الوضعيّ الاجتماعيّ، فإنّ القواعد المذكورة وبسبب عدم وجود ضمانات إجرائية مادّية لها، لا تكون ملزمة في كثير من الموارد، في حين أنّ الدولة من خلال استخدام قدرتها والاستفادة من إمكاناتها المادّية كقوّات الشرطة والمراجع القضائية، بإمكانها العمل على تحقيق هذه القواعد على أرض الواقع الاجتماعي [٣].
والجدير بالذكر أنّه مضافاً إلى هذه الإشكالات والنقود، فهناك إشكالات أُخرى على آراء أتباع هذا المذهب، ومنها ما ورد من تقسيم مراحل الحياة البشرية على طول الحركة التاريخية إلى ثلاث مراحل، كما
[١]. انظر الصفحة السابقة من هذه المقولة نفسها.
[٢]. النظريّة العامة للحقوق، تأليف روبيه، ص ١٦٠ نقلًا عن كليّات الحقوق، ص ٨٨ و ٨٩ (بالفارسيّة).
[٣]. انظر: مقدّمة علم الحقوق، ص ١٥، الطبعة التاسعة، ١٣٦٧ ه. ش.