موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٦ - شبهات العلمانية
الفكرية والدينية على مستوى دمج الدين بواقع الحكومة والمجتمع، فإنّ ذلك لا ينطلق من منطلقات دينية محضة بل إنّ عملهم هذا كان بدوافع ذاتية ومن موقع ذوقهم الشخصيّ.
وقالوا أيضاً:
على أساس هذه الرؤية يكون القتال والدفاع عن الأرض والأهل
«قتالًا في سبيل اللَّه»
ويؤيّده ما ورد في الحديث النبويّ
«حُبُّ الوَطَنِ مِنَ الإيمانِ» [١]
، في حين أنّ هذا المعنى لا يدخل في صميم الغرض من البعثة النبوية والرسالة الإلهيّة.
هنا نتساءل في مقابل هذه الشبهة: هل الآيات القرآنية مثل «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ» لا تدلّ واقعاً على لزوم حضور «الكتاب» و «الميزان» فيما يمثّلانه من قوانين سماوية في ميدان الحياة الاجتماعية والسياسية للبشر؟ وهل يمكن القول أنّ حضور الأنبياء وخاصّة نبيّ الإسلام صلى الله عليه و آله في ميادين السياسة والمجتمع لم يكن على أساس الوحي الإلهيّ وتعاليم السماء؟
يقول الإمام الخميني قدس سره: «إذا قال البعض بفصل الدين عن السياسة، فإنّه في الواقع ينطلق في كلامه هذا من موقع تكذيب اللَّه ورسوله والأئمّة المعصومين عليهم السلام» [٢] وإنّ «الإسلام دين مقترن بالسياسة» [٣].
ويمكن القول بكلمة واحدة: إنّ العلمانيين ليس لهم اطّلاع صحيح بالإسلام، ولعلّهم يتصوّرون أنّ الإسلام مثل المسيحية المعاصرة، وإلّا فمن غير المعقول أن يكون الشخص عارفاً ومطّلعاً على الفقه الإسلامي ويجد في نفسه أدنى شكّ في ضرورة الحكومة في الإسلام (راجع البحوث السابقة في باب حضور الفقه الإسلامي في جميع ميادين الحياة السياسية والاجتماعية).
٢. ويقولون أيضاً: إنّ الفقه يتضمّن قضايا ومسائل مقدّسة، في حين أنّ السياسة مقترنة بالخداع والحيلة، وبديهيّ أنّ هذا الأمر في الحكومة والسياسة يتقاطع مع الإسلام وروحانيته.
وفي مقابل هذه الشبهة ينبغي القول: لقد تبيّن من مجمل البحوث والفصول السابقة اهتمام الأنبياء العظام عليهم السلام ونبيّ الإسلام صلى الله عليه و آله وأئمّة أهل البيت عليهم السلام وفقهاء الإسلام بأمر تشكيل الحكومة التي تقوم في مبانيها وتوجّهاتها على أساس الوحي السماوي، وهذه هي الحكومة الحقيقية التي تتحرّك في خطّ العدل والقسط، وتقوم سياستها على أساس قاعدة متماسكة من المباني والتعاليم السماوية المقدّسة. ومثل هذه الحكومة والسياسة لا تمسّها عوامل الخداع والافتراء والانحراف.
وهذا التحليل يشير إلى أنّ «السياسة» بالمعنى الصحيح للكلمة لا يرتبط بشكل أو بآخر بالسياسة بالمعنى المزوّر وغير الإنسانيّ. وقد تحدّث بعض الأشخاص عن تحريف مفردة «السياسة» لكي يكون بإمكانهم عمل شيء في باب فصل الدين عن السياسة، في حين أنّ السياسة لها معانٍ واستعمالات كثيرة، ومن ذلك قول الإمام الخميني قدس سره: «إنّ السياسة وطريقة تدبير وإدارة أمور المجتمع على أساس موازين العدل والعقل والإنصاف ومئات الأمور من هذا القبيل لا تتعرّض للقدم والإلغاء بمرور الزمان وعلى طيلة التاريخ
[١]. انظر: الصحيح من السيرة، ج ٣، ص ٣٣٣. وكذلك في بحار الأنوار، ج ٧٨، ص ٤٥؛ ميزان الحكمة، ج ٤، ص ٣٥٦ نقلًا عن أميرالمؤمنين: «عُمِّرَتِ البُلدانُ بِحُبِّ الأوْطانِ».
[٢]. صحيفة النور للإمام الخميني، ج ٢٠، ص ٢٨ و ٢٩.
[٣]. المصدر السابق، ج ٩، ص ١٣٦.