موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٩ - ٤ هل يوجد فراغ قانونيّ؟
ومرّة أخرى نؤكّد على أنّ الأحكام الشرعية لا تتغيّر إطلاقاً، والحقيقة أنّ التغيير يكون في دائرة الموضوعات التي تتغير بتغيّر الزمان أو المكان.
٣. انفتاح باب الاجتهاد
بالنسبة لانفتاح باب الاجتهاد وعدمه، هناك بحوث مفصّلة بين العلماء من قديم الأيّام ولحدّ الآن، فيرى جميع فقهاء الإمامية أنّ باب الاجتهاد في جميع مسائل الفقه مفتوح، وبعبارة أخرى: إنّ الاجتهاد في الأحكام الإسلامية لا يتحدّد بعدد معيّن من الفقهاء ولم ينته زمان الاجتهاد، بل إنّ جميع الفقهاء المجتهدين والمطّلعين على مباني الشرع يمكنهم استخراج الأحكام الإسلامية، وربّما كان الفقهاء المعاصرون يملكون قدرة أفضل من القدماء في مجال استنباط الأحكام، لأنّهم ورثة علوم القدماء مضافاً إلى ما زادوا عليها من العلوم الجديدة.
هذا في حين أنّ علماء أهل السنّة في السابق كانوا يعتقدون غالباً بانسداد باب الاجتهاد، وكانوا يقولون: إنّ الاجتهاد محدود بفئة خاصّة من قدماء الفقهاء، وليس للآخرين الحقّ في الاجتهاد في مسائل الشرع، بل يجب عليهم اتّباع أولئك الفقهاء القدماء.
ولكن في الآونة الأخيرة تحرّك بعض علماء أهل السنّة من موقع نبذ هذه العقيدة والقول بفتح باب الاجتهاد أمام جميع الفقهاء المطّلعين على مباني الشرع وخاصّة بما يتّصل بالمسائل المستحدثة التي لم يرد فيها حكم من قبل العلماء القدماء.
وقد تقدّم البحث بالتفصيل في أدلّة الطرفين ومستمسك القائلين بفتح باب الاجتهاد أو غلقه في هذا الكتاب مع ذكر المصادر، والغاية الوحيدة من إعادة الكلام في هذا الموضوع هنا هو من أجل أن يكون مقدّمة لبحث مسألة عدم وجود الفراغ القانونيّ في الإسلام.
٤. هل يوجد فراغ قانونيّ؟
بعد هذه المقدّمات نصل إلى أصل الموضوع، وينبغي في البداية، ومن أجل الإجابة عن السؤال المذكور؛ معرفة المراد من الفراغ القانونيّ.
الكلام في هذا البحث هو: هل أنّ الشريعة الإسلامية- مع الأخذ بنظر الاعتبار بقاءَها وشموليتها- وضعت أحكاماً شرعيةً ثابتة لجميع الموضوعات التي تتّصل بحياة الإنسان الفردية والاجتماعية، أم أنّ هناك بعض الموارد الّتي لم يذكر الإسلام لها حكماً شرعياً، وهي، ما يعبّر عنها «موارد الفراغ القانوني»؟
وقد أجاب علماء المذاهب الإسلامية عن هذا السؤال بأجوبة مختلفة، فالكثير من علماء أهل السنّة يعتقدون بوجود فراغ قانونيّ ويقولون أنّ هناك مسائل لم يرد حكمها في الكتاب والسنّة، مع أنّهم يعتقدون بأنّ هذه المسائل مورد الابتلاء والحاجة.
ويعبّر الغزالي في كتابه «المستصفى» عن مثل هذه المسائل بأنّها «ما لا نصّ فيه»، ويقول: «ليس في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معيّن يطلب بالظنّ، بل الحكم يتبع الظنّ، وحكم اللَّه تعالى على كلّ مجتهد ما غلب على ظنّه وهو المختار، وإليه ذهب القاضي (أبوبكر الباقّلاني) وذهب قوم من المصوبّة إلى أنّ فيه حكماً معيّناً يتوجّه إليه الطلب، إذ لابدّ للطلب من مطلوب، لكن لم يكلّف المجتهد إصابته، فلذلك كان