موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٥ - ١ تقسيمات الأدلّة النقلية
مصدراً مهمّاً من مصادر الاستنباط، يرتبطان فيما بينهما ومع أنفسهما بأشكال مختلفة.
الدليل العام والخاصّ: وهو الدليل الذي يثبت حكماً تارة يكون شاملًا لجميع الأفراد لذلك الموضوع أو المتعلّق أو المكلّف، ويقال عنه الدليل «العام»، وأحياناً لا يشمل سوى بعض الأفراد والمصاديق ويقال عنه «الخاصّ». وفي مورد التعارض بين العام والخاص، فإنّ دليل العام يخصّص، أي أنّ بعض الأفراد يخرجون من دائرة العام، وبذلك فإنّ الخاص يقدّم على العام (بملاك الأظهرية أو كونه ظاهراً، أو بملاك القرينة وذو القرينة).
مثلًا يقول القرآن الكريم في الآية: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» [١]. ويقول في الآية بعدها: «فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» [٢].
ويتّفق المتأخرون من فقهاء الشيعة وأكثر أهل السنّة على إمكان تخصيص العام القرآني بخبر الواحد. ونسب إلى السيّد المرتضى من قدماء الإمامية عدم جواز التخصيص، ومن أهل السنّة، عيسى بن أبان (م ٢٢١ ه) الذي يقول بعدم الجواز إلّافي مورد يكون التخصيص بدليل قطعيّ آخر في مرتبة سابقة، ففي هذه الصورة يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد، وكذلك من أهل السنّة من توقّف في هذه المسألة، وهو القاضي أبوبكر [٣].
ومثال تخصيص القرآن بخبر الواحد، هو قول القرآن: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ» [٤]. فهذه الآية عامّة وتشمل جميع الأبناء، فعند وفاة الأب قرّرت الآية حصّة الأبناء وأنّ الذكر يأخذ ضعف سهم البنت، ولكن ورد في بعض الروايات تخصيص هذا الحكم، حيث منع الإبن القاتل من سهمه في ميراث أبيه
(القَاتِلُ لَايَرثُ مِمَّن قَتَلَه) [٥].
دليل المطلق والمقيّد: المطلق عبارة عن اللفظ الذي لا قيد ولا شرط له، وبذلك يشمل جميع الأفراد، مثلًا عندما تقول الآية: «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» [٦] فإنّها تشمل جميع أقسام البيع والمعاملات، ولم تقيّد الآية بلفظ خاصّ، كما ورد
(نَهى النَّبيُّ عن بَيعِ الغَرَرِ) [٧]
وهو البيع المجهول والمبهم، والمشهور بين المحقّقين أنّ اللفظ المطلق إنّما يكون شاملًا لجميع أفراده فيما إذا توفّرت فيه مقدمات الحكمة، يعني أوّلًا: أن يكون المتكلّم في مقام بيان جميع مقصوده. ثانياً: أن لا يذكر قيداً في كلامه. ثالثاً:
أن يكون اللفظ المطلق غير منصرف لأفراد خاصّين.
رابعاً: أن لا يكون هناك قدر متيقّن من هذا اللفظ في نظر المخاطب. في هذه الصورة يكون اللفظ المطلق شاملًا لجميع الأفراد، ولا يمكن صرف النظر عن هذا الإطلاق بدون دليل يدلّ على التقييد.
وبالنسبة لتقييد إطلاقات القرآن بواسطة الحديث هو مسلّم وقطعيّ، لأنّ الكثير من أحكام القرآن ذكرت بصورة كلّية وجاءت الأحاديث وذكرت الجزئيات والتفاصيل، ففي قسم العبادات يتحدّث القرآن بصورة كلية عن الصلاة والصوم والحجّ وغيرها، وفي باب المعاملات بشكل كلّي عن حلّية البيع وحرمة الربا، وغير ذلك من المعاملات، ففي جميع هذه الموارد تقوم
[١]. سورة البقرة، الآية ١٨٣.
[٢]. سورة البقرة، الآية ١٨٤.
[٣]. الإحكام في أصول الأحكام، ج ١ و ٢، ص ٥٢٥.
[٤]. سورة النساء، الآية ١١.
[٥]. دعائم الإسلام، ج ٢، ص ٣٨٦، ح ١٣٧٥؛ مستدرك الوسائل، ج ١٧، ص ١٤٦، ح ٢٠٩٩٨.
[٦]. سورة البقرة، الآية ٢٧٥.
[٧]. سنن أبيداود، ج ٢، ص ١١٩، ح ٣٣٧٦؛ الموطأ، ج ٢، ص ٦٤٤.