موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٧ - رسالة النبيّ عيسى المسيح عليه السلام
منابع الشريعة المسيحية
إشارة:
إنّ أهميّة الفقه الإسلامي وتعاليم القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة ومدرسة أهل البيت عليهم السلام وامتدادها لتستوعب مساحات واسعة من حياة الإنسان، إنّما تتّضح أكثر فيما إذا قورنت مع الشرائع الأخرى الموجودة، وهذه المقارنة مثمرة جدّاً وتعدّ فخراً للمسلمين في العالم.
رسالة النبيّ عيسى المسيح عليه السلام:
من المعلوم أنّ النبيّ عيسى عليه السلام بعث في مجتمع موحّد وملتزم بالشريعة السماوية، وهو مجتمع بني إسرائيل، وقد أيّد عيسى عليه السلام أحكام التوراة ولم يكن عصره يقتضي تشريع أحكام جديدة كثيرة: «مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِاحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ» [١].
وهناك أحكام شرعية قليلة مذكورة في الأناجيل المعتبرة لدى المسيحيين (من قبيل تحليل أحكام يوم السبت وتحريم الطلاق) ممّا نسب إلى المسيح عليه السلام ونقل عنه في الأناجيل قوله:
«لا تظنوا أنّي جئت لألغي الشريعة أو الأنبياء. ما جئت لألغي، بل لأكمل، فالحقّ أقول لكم: إلى أن تزول الأرض والسماء، لن يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الشريعة، حتى يتمّ كل شيء. فأي من خالف واحدة من هذه الوصايا الصغرى، وعلّم الناس أن يفعلوا فعله، يُدعى الأصغر في ملكوت السماوات. وأمّا من عمل بها وعلّمها، فيُدعى عظيماً في ملكوت السماوات. فإنّي أقول لكم: إن لم يزد برّكم على برّ الكتبة والفريسيين، لن تدخلوا ملكوت السماوات أبداً» [٢].
إنّ الغرض من هذا الكلام رفع توهّم نسخ المسيح عليه السلام لأحكام التوراة، لأنّه طبقاً لهذا الكلام الوارد في الإنجيل أنّ السيّد المسيح عليه السلام كان يهدف في ذيل كلامه هذا إلى إلفات نظر المخاطبين إلى باطن الأحكام لا ظاهرها، فربّما يتوهّم البعض أنّه يتحرّك على مستوى نسخ هذه الأحكام.
[١]. سورة آل عمران، الآية ٥٠.
[٢]. انجيل متّى، ٥-/ ٢٠: ١٧.