موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٥ - ٨ اقتران الفقه الإسلامي بالحكومة بشكل كامل
وهذا الأمر من مختصّات الحكومة كما هو السائد في جميع مناطق العالم.
د اتّخذت الحرب في عصرنا الحاضر صوراً وأشكالًا معقّدة جدّاً وتحتاج إلى منظومات متشابكة كثيرة سواء على مستوى التعليم والتدريب أم تهيئة الأسلحة المتطوّرة وجهاز الاستخبارات والاطّلاع على وضع العدوّ والتخطيط الدقيق في عملية المواجهة العسكرية وتوفير النفقات الثقيلة لهذه الأمور، كلّ ذلك يبيّن بوضوح ضرورة تشكيل الحكومة في واقع المجتمع البشريّ، و لهذا السبب فإنّ هذه الأمور تقع في جميع المجتمعات على عهدة الحكومات.
إنّ بعض أحكام الإسلام وضعت بشكل أن يكون قسم منها تحت اختيار عامّة المسلمين، والقسم الآخر منها يختصّ بمسؤولية الحكومة، أي ما لا يتيسّر إجراؤه إلّا من خلال تشكيل الحكومة مثل، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث تقع على عاتق أفراد المجتمع في مرحلة الوعظ القلبيّ واللسانيّ، فكلّ شخص يجب أن يتحرّك قلبياً على مستوى طلب الخير والأمر بالمعروف ومخالفة الشرّ والنهي عن المنكر، وعندما يرى ترك المعروف أو إتيان المنكر، يجب عليه تقديم النصيحة لمرتكب هذا العمل ويمنعه من ذلك بكلام مناسب مقترن بالإحترام، كما تقرّر الآية الشريفة هذا المعنى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ» [١].
ولكن أحياناً لا تنفع التوصيات اللفظية في القضاء على المنكرات والإتيان بالوظائف والمسؤوليات الضرورية، وتحتاج إلى إقدامات عملية من قبيل إيصاد مراكز الفساد والفحشاء وإلقاء القبض عى المفسدين وعوامل الرذيلة وتحويلهم إلى الجهات القضائية المختصة، لأنّ تدخّل عامة الناس في مثل هذه الموارد يخلق مشكلة في واقع الممارسة والعمل، ولابدّ أن يتمّ ذلك بواسطة عمّال وأيادي الحكومة والسلطة. وهنا تأتي مسؤولية الحكومة في إيجاد حلّ لمثل هذه الظواهر السلبية، كما يشير القرآن الكريم في آية أخرى في هذه السورة إلى هذا المعنى ويقول:
«وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ» [٢]. وتفاوت هذه الآية مع الآية السابقة يتبيّن من خلال الفرق في المسؤوليات التي تتكفّل بها كلّ جهة معيّنة في المجتمع الإسلامي.
يقول الشيخ الطوسي في كتاب «النهاية» في هذا الصدد:
«وقد يكون الأمر بالمعروف باليد بأنْ يحمل النّاس على التأديب والرّدع و قتل النفوس وضرب من الجراحات إلّاأنّ هذا الضّرب لا يجب فعله إلّاباذن السّلطان» [٣].
ويقول وهبة الزحيلي: «وقام على أساس هذه الأوامر نظام الحسبة الذي يقي الأفراد والمجتمع من غائلة الجريمة، والحسبة كما تقدّم: أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله أو هي وظيفة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال ابن خلدون» [٤].
٣. القسم الآخر من الأحكام الفقهية، وإن كان حسب الظاهر لا يقع في دائرة الوظائف الحكومية ومسؤوليتها، ولكنّها لا تتحقّق في واقع المجتمع بدون
[١]. سورة آل عمران، الآية ١١٠.
[٢]. سورة آل عمران، الآية ١٠٤.
[٣]. النهاية، ص ٢٩٩.
[٤]. الفقه الإسلامي وأدلّته، ج ٧، ص ٥٢٩٦.