موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٤ - ٨ اقتران الفقه الإسلامي بالحكومة بشكل كامل
«النهاية»:
«فأمّا الحدود فليس إقامتها إلّالسلطان الزّمان» [١].
ويقول الشافعي أحد أئمّة المذاهب الأربعة لأهل السنّة في كتابه المعروف ب «الأُمّ»:
«إنّ العقوبات غير الحدود، فأمّا الحدود فلا تعطّل بحالٍ، وأمّا العقوبات فللإمام تركها على الاجتهاد ...» [٢].
ويقول الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه: «في نظر علماء المالكية فإنّ يد الإمام في تعيين مقدار «التعزير» (لا الحدود) مفتوحة، فيعمل وفقاً لما يراه صلاحاً وأيّ مقدار تكون العقوبة التعزيرية بما تحقّق المصلحة وبشرط يكون أقلّ من الحدّ.
وفي نظر الفقهاء فإنّ إجراء التعزير (في مورد ما لم يكن هناك حقّ للغير) فلا يجب على السلطان، يعني إذا رأى السلطان في المصلحة في العفو عنه فيحقّ له ذلك كما هو رأي علماء الأحناف، لأنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله قال:
«إصْفَحُوا عن أخطاءِ الكِبارِ» (إلّا في مسألة الحدود) وفي هذا الصدد يقول علماء الأحناف: إنّ العفو عن الذنوب التي أقلّ من الحدّ، تكون بيد الإمام (السلطان)» [٣].
ويقول الإمام عليّ عليه السلام في اعتراضه على بعض المسؤولين السياسيين في ذلك الوقت:
«ألَا وقَد قَطَعْتُم قَيْدَ الإسْلامِ وعَطَّلْتُم حُدودَهُ وأمَتُّم أحْكَامَهُ» [٤].
ونرى في هذا الكلام أنّ الإمام عليه السلام ساوى بين إهمال تنفيذ الحدود الإلهيّة وزوال وموت الأحكام الإلهيّة.
ويقول الإمام عليه السلام في الخطبة ١٣١ من «نهج البلاغة» في بيانه للغرض والحكمة من الحكومة:
«أللّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَم يَكُنِ الّذِي كانَ مِنّا مُنَافَسَةً في سُلْطانٍ ولَا الْتِماسَ شَيْءٍ مِن فُضولِ الحُطامِ ولكن لِنَرُدَّ المَعَالِمَ مِن دِيْنِكَ ونُظْهِرَ الإصْلاحَ في بِلادِكَ فَيَأْمَنُ المَظلومونَ مِن عِبادِكَ وتُقامُ المُعَطَّلَةُ مِن حُدودِكَ».
وبالرغم من أنّ بعض فقهاء الشيعة وبشكل نادر ذهبوا إلى عدم وجوب إجراء الحدود في عصرنا الحاضر الذي يصطلح عليه بعصر عدم حضور الإمام المعصوم، ولكن أغلب فقهاء هذه المدرسة يرون أنّ إجراء الحدود من الواجبات، ويستندون في ذلك إلى الحديث القدسيّ عن الإمام عليّ عليه السلام أنّه قال:
«مَنْ عَطَّلَ حَدّاً مِن حُدودِي فَقَد عانَدَنِي وطَلَبَ بذلِكَ مُضَادَّتِي» [٥]
وكذلك استدلّوا بعمومات أدلّة الحدود حيث قالوا: لا يشترط حضور الإمام المعصوم لتنفيذ الحدود، بل إنّ حكومة غير المعصوم مكلّفة أيضاً بهذه المهمّة.
وجاء في رواية عن الإمام الباقر عليه السلام في بيان بركات إجراء الحدّ و إقامة الحدود الإلهيّة في المجتمع أن قال:
«حدٌّ يُقامُ في الْأرْضِ أزْكى فِيْها مِن مَطَرِ أربَعِينَ لَيْلَة وأيّامِها» [٦].
د) الجهاد أوبعبارة أخرى الدفاع عن جميع البلاد الإسلامية في مقابل هجوم الأجانب، حيث يشكّل هذا الباب أحد الأبواب المهمّة في الفقه الإسلامي، ولا شكّ في أنّ هذا الأمر يقع في دائرة مسؤوليات الحكومات.
فصحيح أنّ الجهاد أو الدفاع يعدّ وظيفة دينية لكلّ مسلم بالغ، ولكن لا شكّ في أنّ هذا العمل لا يتيسّر بدون تنظيم للقوّات وتهيئة أدوات الحرب المعاصرة،
[١]. النهاية، ص ٣٠٠.
[٢]. كتاب الأمّ، ج ٤، ص ٢٦٤.
[٣]. انظر: الفقه الإسلامي وأدلّته، ج ٧، ص ٥٦٠١- ٥٦٠٣.
[٤]. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
[٥]. الكافي، ج ٧، ص ١٨٧.
[٦]. المصدر السابق، ص ١٧٤، ح ١.